نفذت البحرية الإمبراطورية اليابانية هجومًا خاطفًا على الأسطول الأمريكي في ميناء بيل هاربر، في السابع من ديسمبر (كانون الأول) سنة 1941. شكل هذا الهجوم ضربة موجعة للأسطول الأمريكي، لكن محورية هذا الحدث تتجاوز هذا التفصيل؛ فالهجوم أجبر الولايات المتحدة الأمريكية على الدخول رسميًّا في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي إعلان الحرب على اليابان، مباشرة عقب الهجوم، مما غير موازين القوى وقتها، وغير وجه التاريخ للأبد.

بعدها بستين سنة، وفي سياق مختلف تمامًا، شنت طائرات مدنية مختطفة هجومًا على أهداف مختلفة داخل الولايات المتحدة، صباح يوم الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من سنة 2001. كان من ضمن الأهداف مبنى البنتاغون، وبرجا التجارة العالميان في مانهاتن، اللذان سقطا أمام أنظار العالم الذي تابع مشدوهًا عبر الشاشات. قالت الرواية الرسمية الأمريكية إن تنظيم القاعدة الذي كان على رأسه وقتها أسامة بن لادن، هو المسؤول عن تخطيط الهجمات وتنفيذها، فيما يعتقد كثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها أن ما حدث يتجاوز بشكل كبير قدرات رجل مسن يعيش في كهوف تورابورا، وأن تنظيم القاعدة لم يكن سوى السكين الذي كان أحدهم متحكمًا بمقبضه.

شخصيًّا، لست من هواة نظريات المؤامرة. لكن التشابه الكبير بين بيل هاربر والحادي عشر من سبتمبر دائمًا ما شكل إزعاجًا بالنسبة لي، ربما لا يتجاوز الأمر كونه صدفة أخرى من الصدف التي تحدث كلما كرر التاريخ نفسه، لكنني لا أجد مفرًّا من الأسئلة التي تحاصرني كلما فكرت في الموضوع: ماذا لو مر الحادي عشر من سبتمبر كأي يوم آخر؟

هذا المقال، ليس الهدف منه هو التركيز على الحادي عشر من سبتمبر بعينه، حدثًا تاريخيًّا، بالغوص في تفاصيله، من مرتكبي الهجوم مرورًا بأعداد الضحايا… إلخ، بل النية هي تسليط الضوء على أبعاد أخرى، وبشكل أدق، على ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ومخلفاته، التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا.

من الحادي عشر من سبتمبر إلى مقتل بن لادن

عندما تسقط قطعة دومينو على قطعة أخرى، فتسقط تلك القطعة بدورها على قطعة أخرى، ليستمر الأمر بشكل متسلسل ومستمر، فإن ذلك ما يسمى بتأثير الدومينو. لا أجد تشبيهًا أكثر دقة من تأثير الدومينو لوصف عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر؛ فالهجوم أدى إلى غزو أفغانستان، وبعدها العراق بشكل غير مباشر، وهذا ما أدى لهجمات على المصالح الأمريكية والغربية كرد فعل على غزو أفغانستان والعراق، أبرزها هجمات مدريد، التي زادت بدورها من الحنق الغربي على الهجمات المتكررة لتنظيم القاعدة؛ مما أدى لبروز الموجة الأولى من الإسلاموفوبيا المتمثلة في منع بناء المآذن في سويسرا، والرسوم المسيئة للإسلام في الدانمارك.

لولا أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لما انتهى الحال بالشرق الأوسط إلى ما آلت إليه الأمور. فبعد أيام من الحادي عشر من سبتمبر، أشارت إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بأصابع الاتهام إلى العراق بمساعدة تنظيم القاعدة وتمويله. هاته التهمة الواهية لم تصمد أمام أي محاكمة منطقية، فاختفت فجأة واستبدل بها أخرى، والتي اتضح أيضًا أنها مجرد كذبة كبيرة: كذبة أسلحة الدمار الشامل.

مع غزو العراق، بدأ فرع القاعدة في العراق بالبروز تدريجيًّا، كأقوى فروع التنظيم، تحت قيادة الأردني أبي مصعب الزرقاوي، الذي انتشر اسمه كالنار في الهشيم مع عمليات ذبح الرهائن الغربيين. كانت الإدارة الأمريكية، بالتزامن مع ذلك، مستمرة فيما أسمتها حربها على الإرهاب بمباركة دولية وتأييد عربي. كانت لهذه الحرب عدة أوجه قبيحة منها قاعدة غوانتانامو، فضيحة سجن أبي غريب، استهداف المدنيين والتعذيب في السجون السرية. استمرت المواجهات بين تنظيم القاعدة وأخواتها من الجماعات الجهادية مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والعرب، لكن جميع العمليات النوعية التي شنها التنظيم، دوليًّا، كانت تتسم بالعشوائية، ولم تعد بذلك الزخم التي شكلته هجمات سبتمبر، أو قطارات مدريد، ولاحقًا هجمات السابع من يوليو (تموز) في لندن.

هذا الضعف الذي بدأ يظهر على تنظيم القاعدة، الذي كان نتيجة منطقية لاستهداف كوادره في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، كإلقاء القبض على خالد شيخ محمد رئيس اللجنة العسكرية للتنظيم، واغتيال محمد عاطف الذراع اليمنى لأسامة بن لادن، سيصل ذروته مع مقتل زعيم التنظيم ومؤسسه أسامة بن لادن في مايو (أيار) 2011.

هذه المرحلة الممتدة لعقد كامل، كانت حربًا ضروسًا بين تنظيم القاعدة والولايات المتحدة الأمريكية. كان التنظيم أبرز لاعب في الجهاد العالمي والحرب على الإرهاب. لكن الأوضاع في الشرق الأوسط كانت مستقرة إلى حد بعيد باستثناء العراق، الذي كان رازحًا تحت الاحتلال الأمريكي. في الغرب، استمرت موجة الإسلاموفوبيا في الانتشار لكن بشكل بطيء وغير معلن.

من الربيع إلى الخريف

تزامنًا مع مقتل زعيم تنظيم القاعدة، كانت الثورة التونسية قد أسقطت بن علي، والثورة المصرية في أوجها، فيما كانت الأجواء في ليبيا واليمن وسوريا جد ساخنة. ما سمي وقتها بالربيع العربي، شكل هزهزة للوعي الجماعي العربي، وصدمة للعالم الذي لم يتوقع يومًا أن يثور العرب على ديكتاتورية حكامهم. بعد هروب بن علي، وسقوط مبارك، ومقتل العقيد معمر القذافي بطريقة وحشية، اتجهت الأنظار تدريجيًّا إلى سوريا، التي اختار فيها الرئيس بشار الأسد خيار القمع والترهيب بشكل غير مسبوق. في ظل الفوضى التي عمت الشرق الأوسط، وفي غفلة من الجميع، خرج إلى الوجود تنظيم جهادي متطرف ليعلن سيطرته على جزء كبير من العراق وبعده سوريا. اتخذ التنظيم اسم الدولة الإسلامية بعد عدة تغييرات سابقة، وأطل زعيمه أبو بكر البغدادي من الموصل ليعلن الخلافة الإسلامية.

مع استمرار انتشار التنظيم على الأرض، كانت أصداء أفعاله الوحشية تنتشر في مختلف وسائل الاعلام العالمية. بدأ الحديث يصب في عد تنظيم القاعدة حمامة سلام مقارنة مع تنظيم البغدادي. في محاولة البحث عن جذور التنظيم وانطلاقاته، كان واضحًا أن التنظيم هو امتداد للنواة الأولى لفرع القاعدة في العراق الذي تزعمه الزرقاوي، لكن بوجوه جديدة ذات خلفية عسكرية من كوادر حزب البعث العراقي المنحل. تمرد تنظيم البغدادي على التنظيم الأم، واختار محاربته بدل مبايعة زعيم القاعدة الجديد أيمن الظواهري، الذي اختار جبهة النصرة ممثلًا شرعيًّا لتنظيمه في سوريا وقتها.

هنا نقف، ماذا لو لم تحدث يومًا هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ يمكننا افتراض أنه ربما لم تكن حرب العراق لتحدث يومًا، أو على الأقل كانت الولايات المتحدة ستحتاج لمبررات لتقنع بها شعبها والعالم بشرعية الحرب، بدل الاختباء وراء الحادي عشر من سبتمبر أولًا، وأسلحة الدمار الشامل ثانيًا كذرائع واهية. وعلى أساس ما سبق، يمكننا القول بكل ثقة بأن تنظيم الدولة الإسلامية هو نتيجة للحرب على العراق، إن لم نقل نتيجة متأخرة لمخلفات الحادي عشر من سبتمبر!

واصل تنظيم الدولة الإسلامية التمدد جغرافيًّا، ووصلت يده إلى آبار البترول وبدأ يتحكم في موارد مهمة. انتشر التنظيم في العالم بفروعه من نيجيريا إلى الفليبين. كان متوقعًا أن يبدأ التنظيم في مهاجمة الغرب في عقر داره، بناء على التسجيلات الصوتية المنسوبة لزعيمه البغدادي، والناطق الرسمي أبو محمد العدناني، وذلك ما حدث.
هجمات متفرقة في العالم كانت أبرزها هجمات باريس، وبروكسل، وألمانيا. لم تسلم دول أخرى كتونس، والسعودية، وتركيا من هجمات التنظيم التي خلفت أعدادًا كبيرة من القتلى.

لم تمر هاته الهجمات مرور الكرام على الرأي العام العالمي، خاصة هجمات باريس واستهداف مجلة شارلي إيبدو. عاد الحديث مرة أخرى في الغرب للتساؤل حول علاقة الإسلام بجماعات ما يسمى بالإسلام المسلح.

في الحين نفسه، استمرت حالة اللااستقرار والفوضى في العالم العربي، وبدأ كثيرون يغيرون موقفهم مما سمي سابقًا بالربيع العربي. فالانقلاب العسكري في مصر، تحول ليبيا إلى دويلات تحكمها ميليشيات، انحدار اليمن إلى مستويات غير مسبوقة من الدمار والمجاعة والعنف، واستمرار الأزمة السورية في حصد الأرواح بدون أي مؤشرات على أي انفراج محتمل، كلها عوامل أكدت بالملموس أن ما حدث أبعد ما يكون عن الربيع، أو أقله هكذا تبدو النتائج.

كل ما سبق من غزو العراق، بروز الدولة الإسلامية، الفوضى في الشرق الأوسط وموجة النازحين، كلها نتائج غير مباشرة لتأثير الدومينو الذي سقطت أول قطعه يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكن سلسلة الدومينو لم تنته بعد. فالصراع بين الشرق والغرب مستمر، قطعة بعد أخرى، وربما يمكننا استشراف المستقبل بالتعمق في أسباب الإسلاموفوبيا وصعود اليمين في الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات