بمناسبة مرور 14 سنة على دخول الأمريكان للعراق نستذكر هذا اليوم ونحن مختلفون على مضمونه. منهم من يقول احتلالًا ومنهم من يقول تحريرًا. بالنسبة إلي في 2003 كان عمري 7 سنوات فكنت طفلًا لا أفقه شيئًا في الحياة فكنت أرى الأمريكان محررين فعندما نراهم نبتسم ونضحك وعندما تقترب عجلات الأمريكان نركض تجاهها فرحين عندما يرمون إلينا كرة قدم أو لعبة أو طعامًا، لم نكن ندرك حينها أننا في ذل وأنهم يضحكون علينا عندما يروننا نلتقط مخلفاتهم والتي كانت بالنسبة لنا شيئًا كبيرًا وعظيمًا.

كنا جالسين في البيت ونشاهد التلفاز والأمريكان يسقطون تمثال صدام الكائن في بغداد، كنت فرحًا ومبتهجًا بسقوط التمثال حيث كانت تحركني عاطفة الذين حولي، فالشعب كان متذمرًا من صدام ويتمنى أي دولة تحكمنا فقط يزاح صدام.

فرحي كان كأن صدام هو قاتل أبي وأمي رغم أن صدام لم يسبب لي أي مشكلة. كنت أحلم أن الأمريكان سيفعلون لنا المستحيل وسينشئون لنا مدينة ملاهٍ كديزني سيتي وسنغرق بالأموال وسنعيش بأمان وسلام ونسافر إلى البلدان… إلخ، ولم أكن أعلم أن كل تلك الأمنيات كانت على حساب وطني وشعبي، فحتى تلك اللحظة كنت مقتنعًا أنه تحرير. بعدها بأيام استفاقت مدن العراق على انعدام الأمن والأمان وانتشار القتل وظهور مسميات جديدة بين أبناء الشعب وحدوث أكبر عملية سلب ونهب للبلاد من قبل أهل البلاد والغرباء. الشعب يسرق الممتلكات العامة والشيء المضحك بالموضوع الذريعة الدولة ساقطة والذريعة ممتلكات صدام.

الحمد لله لم أشارك لا أنا ولا عائلتي بهذا الموقف المخزي بل كان لنا موقف مشرف بحفظ الممتلكات العامة. المهم، مع مرور الأيام بدأت أدرك جيدًا أن ما يحدث ليس بتحرير، فالتحرير لا يعني تهديم المباني وقصفها بحجة صدام، هل صدام كان مختبئًا تحت كل تلك المباني والجسور التي قصفت ولكن كانت تلك ذريعة لتدمير العراق، عندما كان يأتي الأمريكان ليفتشوا المنزل كنت أخاف منهم وأهرب. فالمرة الأولى التي كنت أركض إليهم فيها كان يحركني الغباء والعاطفة أما هذه المرة التي كنت أخاف منهم كان يحركني الضمير والعقل. فلا يعقل أن يجتاح بلد وتنهب خيراته لأجل مجموعة من الرجال. لكن هذا هو الاستعمار على مدى التاريخ كان يصنع ذرائع لاحتلال البلدان، الأمريكان فتحوا كل شيء أمام الأهالي تسرق تقتل افعل ما شئت فلا نظام هنالك في الموصل، وهي مدينتي التي أسكن فيها كانت البنوك مفتوحة أمام الناس والأهالي غير الشرفاء يسرقون منها يعبئون سياراتهم بالأموال. أدركت حينها أنه ليس الصنم فقط من سقط بل من سقط هو العراق ومن سقط هي المبادئ ومن سقط هي الوحدة الوطنية.

فأنجب الاحتلال الأمريكي الحرية وأصبحنا بعد ذلك اليوم أحرارًا طائفيين نطلق على بعضنا البعض تسميات بعد أن كنا نعرف بعراقيين فقط أصبحنا نقتل بحرية نسرق بحرية نضرب نسلب نتعدى على الآخرين بحرية أيضًا. حرية جلبت أناسًا كانوا يحلمون أن يتزعموا 5 أشخاص ولكن الحرية التي جلبتها أمريكا زعمتهم العراق بكامله فمارسوا أقسى أنواع الظلم تجاه الشعب العراقي بحرية اليوم بعد أن فاق عمري الـ20 عامًا أدرك جيدًا أن ما جرى هو احتلال لبلدي العراق وليس بتحرير.

أتفق معكم أن صدام هو السبب وهو الذي فعل ما فعل وقتل و… و… إلخ، ولكن ليس على حساب ملايين الناس بعد مرور 14 عامًا على الاحتلال/ التحرير لدينا ملايين القتلى وملايين النازحين وملايين الأرامل والأيتام، وذلك يعود فضله إلى الأمريكان الذين ولله الحمد أقروا بفعلتهم أنهم أخطؤوا بدخولهم للعراق. نعم الأمريكان جلبوا لنا بعض الإيجابيات لكن السلبيات التي تركوها لنا أكثر بكثير من إيجابياتهم. كنا فقراء في زمن صدام ولكن لا يقتل أحدنا الآخر وندر من يسرق. الآن الجميع أغنياء ولكن لا يأمن أحدنا على ماله ونفسه. التحرير يعني من سيء إلى جيد ولكن تحرير العراق كان من سيء إلى أسوأ. اللهم احفظ العراق واجعله بلدًا آمنًا مطمئنًا. وتقبلوا تحياتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

9/4/2003, حروب, علاقات
عرض التعليقات
تحميل المزيد