نعيش اليوم شاهدين على قيام الإمبراطورية الإيرانية ذات الأوصاف الكاملة. هذه الإمبراطورية قامت في أعقاب ثورة شعبية في إيران عام 1979، حيث تشكّل نظام جديد بقيادة الخميني، وترسّخ بقوة يومًا بعد آخر، بالرغم من الضعف الذي أصاب بنية الدولة جرّاء الحرب مع العراق من عام 1980 إلى 1988. وحين مجئ الخميني إلى السلطة، كانت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في أوجها، حيث دخل السوفييت في عام 1979 أفغانستان، لتبدأ مرحلة كارثية وساخنة في المنطقة الممتدة من أفغانستان وباكستان، وإلى أقصى البلاد العربية والإسلامية، مرورًا بإيران.

القوتان العظميان، أمريكا والسوفييت، وبينهما دول الاتحاد الاشتراكي من جانب، ودول الغرب الأوروبي من جانب آخر، وقفت بين إيران والعراق موقف المتفرج الداعم للحرب، نظرًا لأن مصالح الجانبين كانت تقتقضي ذلك، فضلًا عن مخططات استراتيجية هادئة ومحكمة كانت تطبخ على نار هادئة لمنطقتنا. في تلك الأيام، نالت إيران والعراق الدعم من هذه الدول بالتساوي، بالرغم من أن إيران وأمريكا كانتا تعاديان بعضهما البعض علنًا بتعابير متبادلة، مثل: الشيطان الأكبر، ومحور الشر.

في عام 2001 و 2003 سقطت دولتان مهمتان جدًا، وهما أفغانستان والعراق. هذا السقوط تم على يد أمريكا وبدعم خليجي مباشر وقوي، وكتكملة للاستراتيجيات التي كانت تتململ منذ احتلال أفغانستان، وقبل ذلك منذ الحرب العراقية الإيرانية. سقوط العراق وأفغانستان، صب في صالح إيران التي جمعت ثماره كمستفيدة ثانية بعد الغرب وإسرائيل.

دول الخليج العربي تتباين وتختلف في علاقاتها مع إيران. فسلطنة عمان ذات المذهب الإباضي (الذي يقف بين السـّـنة والشيعة موقف المنزلة بين المنزلتين، أو لنقل يشكل اتجاهًا ثالثًا)، حافظت على علاقات طيبة مع إيران منذ عام 1979 بانتظام. هذه المحافظة جاءت نوعًا من التوازن بينها وبين السعودية، ذات الهيمنة في الخليج، والتي تشكل الوهابية مذهبها العام. أما الإمارات، فهي الأخرى تتمتع بعلاقات قوية وعميقة مع إيران. فهناك حوالي نصف مليون إيراني يقيم في الإمارات، وتسيطر إيران على مفاصل اقتصادية مهمة في الإمارات، بدءًا بالعقارات، عبر شركة «داماك»، وإلى حيث تنتشر البنوك والمتاجر والأسواق والأراضي المملوكة لمرافق دينية غير خاضعة لأوقاف الإمارات. أما مملكة البحرين، فتشكل الشيعة نصف سكانها أو أكثر (حسب بعض المصادر)، فهي اليوم محمية بدبابات سعودية، وإلا فإن التحاقها بإيران كان ومايزال مسألة وقت لا أكثر. أما الكويت، فلها اليوم علاقات قائمة مع إيران التي تمتلك نفوذًا قويًا فيها، على مستويات عديدة. إذن، ليست هناك في الخليج دولة تقف ضد إيران غير السعودية وقطر، لأسباب مختلفة لا انسجام بينها.

تتمتع إيران اليوم بنفوذ واسع في المنطقة. هذا النفوذ الواسع يبدأ بأفغانستان إلى اليمن، مرورًا بمنطقة الخليج والعراق وسوريا ولبنان. هذا التوسع، استثمر حـــظـًــا تاريخيا فريدًا قد لا يتكرر بسهولة؛ فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، تحولت أمريكا إلى القطب الوحيد المهيمن على السياسة العالمية. هذه الأحادية في الهيمنة العالمية، أدت إلى سيطرة قوية وكاملة في منطقة الخليج، ومن ثم في العراق. ولكن بعد سقوط بغداد في عام 2003، كانت استراتيجية أمريكا هي خلق الحروب الطائفية والعرقية في المنطقة، لذلك، سلّمت العراق على طبق من ذهب إلى النظام الإيراني. أمريكا نجحت في خلق الحرب الطائفية والعرقية، وارتفعت مؤشرات النجاح أكثر بعد ثورات الربيع العربي، حيث حدث في المنطقة ما أراده الغرب تمامًا من فوضى عارمة. ولكن ما أقض مضجع الغرب، وخفف من فرحته، هو التدخل الروسي القوي الذي وطّد أركانه بقوة في سوريا، وبدأ بهذا التوطيد عهدًا جديدًا من الهيمنة المدعومة من إيران والصين. وما زاد الطين بلّة، أن تركيا خرجت بصمت من التحالف الغربي، وصفّرت مشاكلها مع روسيا، بعد أن خذلها الغرب إبان سقوط الطائرة الروسية. فما كان من تركيا سوى أن تقطع حبائل المكر الغربي، وتقطع أمل الغرب في دفعها وروسيا معًا نحو حرب إقليمية، يقف الغرب أمامها موقف المتفرج الذي يملأ الملعب بأهازيج التشجيع والسرور. والسرّ في هذا الموقف الغربي هو تاريخي وموضوعي، حيث تشكل تركيا محورًا معاديًا للغرب، وكذلك روسيا، على مستوى التاريخ والثقافة والسياسة والاقتصاد…إلخ.

على أية حال، تمخضت منذ عام 2011 قوى موزعة على هذا النحو:

أولًا: الغرب وإسرائيل الداعمان للفوضى واستمرارية الحروب في المنطقة.

ثانيًا: دول الخليج الواقعة تحت الهيمنة الغربية، والتي حاربت ثورات الشعوب العربية المسماة بالربيع العربي.

ثالثًا: القوى الشيعية (النظامان العراقي والسوري، حزب الله اللبناني، ميليشيات يمنية، حزب العمال الكُردستاني وأذرعه في تركيا وسوريا والعراق) بزعامة إيران.

رابعًا: تركيا كأقوى دولة سنـّـية، لكنها غير مرغوب فيها غربيًا وخليجيًا وشيعيًا.

خامسًا: شعوب سنـّية تكافح للبقاء، وتعيش الفوضى العارمة بيد دول عالمية وأخرى إقليمية من جانب، وبيد أنظمتها وأحزابها وميليشياتها المتناحرة والمتقاتلة (ومنها تنظيم الدولة الإسلامية) من جانب آخر.

تركيا، خلطت الأوراق بعد اصطفافها الذكي جدًا مع روسيا، حيث همّشت دول أوروبا والدور الأمريكي، خصوصًا بعد الانقلاب الفاشل في تركيا في العام الماضي. هذا الموقف الذكي والفريد لتركيا، أحبط تخطيطًا جهنميًا شاركت في صناعته الدول الغربية بقيادة أمريكا، وإسرائيل، ودول الخليج (السعودية والإمارات والكويت). وكان مفاد الخطة، دعم حزب العمال الكُردستاني في تركيا وسوريا، من أجل شن حرب مفتوحة وشاملة على تركيا، فضلًا عن دعم انقلابي سقط سقوطًا مدويًا. بدت الخطة المذكورة تحقق نجاحا كبيرا في البداية، بعد فشل حزب العدالة والتنمية من تحقيق الأكثرية التي تؤهله لتشكيل الحكومة، في انتخابات يونيو (حزيران) عام 2015.

في هذه الانتخابات حقق حزب الشعوب الديموقراطي الذي كان يعول على الجبهة المعادية لتركيا، نسبة نجاح كبيرة. وكانت تركيا تعيش أسوأ أيامها مع روسيا، بسبب سقوط الطائرة الروسية، وبسبب تجاهل اوروبا وأمريكا لصرخة الاستغاثة الصامتة التركية. الغرب أدار ظهره لتركيا بعنجهية بليدة، في وقت كان يزود حزب العمال الكُردستاني بالأسلحة والمعدات، فيما لملمت تركيا كبرياءها بهدوء وغضب عميقين. في إثر ذلك، ولأسباب أعمق بكثير، عالجت تركيا أزمتها مع روسيا إلى درجة قلبت العداوة بين البلدين إلى تقارب شديد صدم أمريكا وأوروبا صدمة قوية، مازال أثرها يفعل فعله في نفوس الغربيين.

وكان هذا الموقف ذكيًا مرة أخرى، بسبب إدراك تركيا أن دول الخليج وبتخطيط وأمر غربيين، تحاول إطالة الحرب في العراق وسوريا، ليس نصرة للسّـنة، وإنما تحقيقًا للرغبة الغربية من جانب، وحفاظًا على كياناتها الهشة من جانب آخر، والتي لا تقوى على حماية نفسها، إلا بدعم غربي مباشر، وباعتماد كلي على قوته العسكرية.

دول الخليج أرادت أن تدفع بتركيا نحو مستنقع سوريا والعراق؛ لتكون الحرب مفتوحة بين السّـنة والشيعة بدعم غربي وعالمي، لتقعد هي متفرجة، تستمتع بمشاهدة الحرب في الدول المجاورة، بينما هي في بحبوحة هنيئة في حضن الغرب الدافئ والحامي لها، لكن أردوغان كان له الكلمة الفصل في كسر هذه الخطة، بل كسر الطاولة التي رسمت فوقها الخطة المذكورة!

لنعد إلى موضوع المقال، ألا وهو ما نراه من اكتمال شروط تـَحَقـُق الإمبراطورية الإيرانية على أرض الواقع، وهل هي مقبلة على غزو الكويت والسعودية أم لا. المجتمعات الشيعية المنتشرة في بلدان المنطقة، هي أذرع إيران، تعد ثروة ضخمة لإيران، القائمة على أركان المذهب الشيعي. كانت هذه الأذرع قوية وضاربة (في لبنان وسوريا) ونشطة ومتنامية في أفغانستان، والعراق، والبحرين، واليمن، وتركيا، ومصر…إلخ، لكن نقطة التحول، حيث بدأ الصعود الإيراني نحو اكتمال شروط إقامة الإمبراطورية المنشودة، الممتزجة من فارسية قديمة وصفوية أحدث، بدأت بعد احتلال أمريكا وحلفها كلًا من أفغانستان والعراق.

ومما سهّل هذا الاحتلال وعواقبه، هو تحول دول الخليج إلى مطايا طائعة للحلف الغربي إزاء البلدان العربية والإسلامية التي استهدفها الغرب. اليوم، هناك انحسار وخفوت للدور الغربي بقيادة أمريكا في المنطقة. ويبدو أن مجئ دونالد ترامب المتشدد، للرئاسة، هو إعادة للهيبة، وإعادة انتشار الهيمنة الأمريكية في المنطقة والعالم.

وفي المقابل، وحيث تنتشر القوات الإيرانية في بلدان المنطقة، وهي تواجه استنزافًا مستمرًا بسبب حروبها مع القوى السنية أو الوهابية المدعومة من قبل الخليج (لأهداف معينة)، تبدو – أي إيران – على بعد خطوات قليلة لتتحول إلى إمبراطورية حقيقية. هذه الإمبراطورية لها منفذ واحد لتترسخ، وتحافظ على نفسها لآماد طويلة، قبل أن تتدحرج الكرة عكسيًا باتجاه إيران، وهذا ما سيتم التخطيط له من قبل الإدارة الأمريكية والغربية عمومًا في المرحلة المقبلة، لتعم الفوضى إيران أيضًا. المنفذ الحتمي هو الكويت والسعودية، وما يليها من دول وممالك خليجية. إن زحف إيران بإتجاه السعودية والكويت، سيؤمن لها السيطرة على منابع الطاقة التي يعتمد عليها العالم الصناعي (أوروبا، وآسيا وأمريكا)، ويضمن لها قطع إمداد الجماعات التي تحاربه في سوريا واليمن والعراق. وفي الوقت الحاضر، تتمتع إيران بدعم الصين وروسيا اللتان تشهدان أسوأ العلاقات مع الغرب. لذلك فإن غزو إيران للكويت والسعودية، لن يكون كغزو العراق للكويت في عام 1990. فحين غزا الرئيس الراحل صدام حسين دولة الكويت، كان يعاني اقتصادًا منهارًا، وعزلة شبه كاملة وانعدامًا كليًا لأي تحالف قوي يمنعه من القوى الكبرى. فالسوفييت، كما قال وزير خارجية العراق الراحل طارق عزيز، باعوا العراق مقابل خمسة مليارات دولار بُعيد غزو الكويت، ولكن إيران اليوم، فضلًا عن دعم ومساندة قويين من قبل الحلف الروسي الصيني الكوري، فهي تتمتع بأذرع عسكرية إقليمية، وسيطرة كاملة على دولتين بكامل مواردهما، وهما العراق وسوريا. لذلك، فإن الفرصة آتية لإيران للسيطرة على الخليج، في وقت مازالت المنطقة تعيش الفراغ الأمريكي الذي تحاول الإدارة الأمريكية ملؤه من جديد. هذه الفرصة قد تكون تاريخية وقد لا تتكرر حتى بمرور أزمان طويلة. ودخول إيران الكويت والسعودية وما يليهما، سهل جدًا، لكن طرد إيران منها لن يكون أسهل من طرد الروس من أوكرانيا!

من هنا، ستتبين الأمور ما إذا كانت قيادة إيران تفكر بعقل إستراتيجي، أم بعقل يجاري الأحداث ويفكر في اقتناص الفرص التي يخلقها الآخرون. فإذا كانت القيادة الإيرانية تفكر بعقل إستراتيجي، يريد ترسيخ الإمبراطورية وتحويلها إلى قوة عالمية، فإن الوقت الحاضر هو الفرصة الذهبية لها من أجل أن تزحف باتجاه الكويت والسعودية والسيطرة على الخليج، وبالتالي طمئنة الحلف الروسي الآسيوي أن مصالحه ستصبح أكثر قوة وفائدة، في ظل سيطرة إيران على منطقة الخليج. وبهذه الخطوة، ستتحول أمريكا وأوروبا إلى قوى مهمشة في المنطقة لا تقدر، إلا أن تهدد بحرب كونية، رادعها، هو قوة روسيا والصين النووية. والحرب لن تقع، بل سينتهي الموقف الغربي بمساومات تخرج إيران منها بربح وانتصار عظيمين، قد لا يكون لهما مثيل في التاريخ الإيراني منذ القدم. ويضمحل الدور الغربي عالميًا إلى درجة قد تسجل رقمًا قياسيًا، لم يشهده العالم منذ مدة طويلة جدًا. أما إذا فكرت القيادة الإيرانية بالعقلية التقليدية، وهي مجاراة الواقع وانتظار الفرص التي يخلقها الآخرون، فإن كرة الفوضى تتدحرج إلى تخومها في المراحل المقبلة، حيث تحاول أمريكا نقل الفوضى إلى ديارها أيضًا، بعد أن تنهك إيران من الجبهات العديدة والساخنة في المنطقة.

ما يساعد إيران في الإقبال على غزو الكويت والسعودية أمور عديدة، منها:

أولًا: عدم استطاعة دول الخليج مقاومة الزحف الإيراني نظرًا للتفاوت العظيم بين قدرات إيران وقدرات دول الخليج، ناهيك عن نعومة المجتمعات الخليجية الملتهية برفاهية الحياة ولهوها. بينما القوات الإيرانية وأذرعها في المنطقة، تخوض أشرس الحروب وأفتكها.

ثانيًا: تركيا اليوم لم تعد في المعسكر الغربي وحلف الناتو. نعم لم يعلن بعد بشكل رسمي عن هذا الخروج، لكنه واقع. لذلك، فإن تركيا خارج معادلة تحولها إلى جزء من قوة غربية تقف ضد إيران، في حال حدوث أمر كهذا.

ثالثًا: هناك تحالف عالمي قوي يقف خلف إيران، وهو تحالف روسيا والصين وكوريا الشمالية. المهم في هذا المجال، أن تقدر إيران على تلبية حاجة هذه الدول للبترول، وبأسعار أفضل مما تحصل عليه من دول الخليج اليوم، التي يبيع لها الغرب مواردها وينقل أثمانها إلى بنوكه (بنوك الغرب).

فهل سنشهد قريبًا غزوًا إيرانيا للكويت والسعودية ودول الخليج؟ أم أننا سنشهد العكس، وهو تدحرج كرة الفوضى بإتجاه إيران كما ارتدت فيلة هانيبعل نحو جيشه، بعد أن كانت مهاجة على الرومان في موقعة زاما! لقد تأخر هانيبعل في الإجهاز على الرومان قبل ذلك، فسلّم زمام المبادرة إلى أعدائه الذين دمروا قرطاج، ولم يتركوا فيها حجرًا على حجر، فيما أمسى هو في ذمة التأريخ وإلى الأبد! 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد