من خلال قراءة التاريخ الفلسطيني وأحداث عام 1948 ومشاهدة مسلسل «عائد إلى حيفا»، الذي أُخذ من رواية للأديب غسان كنفاني، وجدتُ أن الشعب الفلسطيني عانى معاناة جديرة بالذكر والتأليف، وجدت أن هذا الشعب منذ ذاك العام لم يعش أي لحظة أمان، وجدت أن هذه الأرض خلقت للسلام وما رأت يومًا سلامًا، وجدت أن الشعب الفلسطيني منذ تلك اللحظة وحتى اللحظة وهو يعيش الأمل؛ أمل العودة، أمل اللقاء، أمل البقاء، أمل أن يأخذ شيء من بيته ولو صورة لابنه الشهيد، أمل الوطن!

كل كلمات التاريخ وكتبه تلعن المحتل الإسرائيلي، وستظل تلعنه إلى الآزفة، هذا المحتل الغاصب الذي فجَّر القلوب قبل البيوت والبلاد، هذا المحتل الجاثم الذي قتل الصغار والكبار، قتل من بَقي قبل الذي مات، هذا المحتل الذي كذب كذبة وصدَّقها، هذا المحتل لم يعلم كم من القلوب أُحرِقت، كم من الأجساد هُجِّر ونَزحت، كم من النفوس هُدِّمت ودمِّرت، كم من الأمهات فَقدت، كم من النساء رُمِّلت، كم من أبناءٍ يُتموا، كم من أمورت غُيِّبَت ولم تلفظ!

أنا من الجماعة التي ولدت أمهاتهم في الهجرة بعد نكسة عام 1967، قصة ليس لها طول من طولها، وليس لها شعور من المعاناة التي كانوا يعانونها، تهجير وتدمير من البلدة الفلانية إلى البلدة الأخرى، ما إن سكنوا أيامًا إلا ووصلهم بلاغ بأن المحتل الغاصب سيقتلهم ويحتل مكانهم، حتى يحاول أن يبعدهم ويشتتهم وينسيهم أرضهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، قصة قالتها لي جدتي يومًا، وقالتها لي أمي يومًا. معاناة لامسناها ونحن لم نعش تلك الأيام، لكنَّ القلب يرى؛ نعم يرى يا أمي!

كيف لشعب أن ينسى أرضه! كيف لأم أن تنسى ابنها! كيف لأب أن ينسى حجر بيته! كيف وكيف أن تُنسى حيفا، ويافا، وعكا، وبيسان، والطيرة، وطبريا، والقدس! كيف لنا أن ننسى! لا لن ولم ننسَ، والأمل فينا ما حيينا!

نحن من الناس التي أُحتُلت أراضيها ووقعنا تحت وطأة وظلم واستبداد الاحتلال الإسرائيلي، أراضينا ما زالت داخل جدار الفصل العنصري.. والتي يصعب علينا الوصول إليها وهي لنا، هذا المحتل لم يعلم أن هواء فلسطين أخبرنا كل شيء، لم يعلم أن جدران البيوت نطقت كل وجع ذاقه فلسطينيّ تخبىء خلفها، لم يعلم أن هذه الأرض تنتظرنا بشغف.

كل ما حدث فينا ولأهلنا منذ ذاك العام كان عبارة عن كابوس؛ نعم كل من عاصر تلك الأحداث وصفها بهذا الوصف «الكابوس»، وكأن كل ما حدث من قصف وقتل وقمع وتهجير واستبداد واستبدال، كل ذلك كان كابوسًا، أحداث مرت برمشة عين، رجل في عمله، وطالب في مدرسته، وفلاح في أرضه، وامرأة في بيتها، وآخر في السوق، وهنا وهناك. كلهم في لحظة ما؛ إما قُتل وإما هُجِّر، وقلة وقليلة بقيت مع شتات أمورهم، وكأن كل هذه الفظاعات لُخصت في قصة قصيرة أصبحت تُروى للأجيال.

لا نحتاج إلى قوانين حتى نعرف أرضنا، لأنه ببساطة لا يمكن إقناع حجر في حيفا بصهيونية الدولة، ولا يمكن للمقلوبة الفلسطينية أن تقبل بالقسمة والتمييز العرقيّ، ولا يمكن للعصفور في القدس أن يغرد بالعبرية، ولن يصيح أبد الدهر ديك يافا إلا بالفسطينية، كيف للمسخن أن ينضج في غير بيت فلسطينية حرة، كيف للتطريزة الفلسطينية أن تليق بمستوطنة متعجرفة، كيف للزيتون والزعتر أن يتلذذ من يأكله إذا لم يكن من فلسطينيّ الأصل، لا يستقيم، لا تحاولوا العبث في أصولنا التي تجذرنا عليها، كل شيء في فلسطين يحن لها وبها، ولا يمكن أن يقبل غيرها وغير أهلها.

يقول أحد كبار السن من فلسطين: «حكوا لنا أسبوع أسبوعين وبترجعوا»، هذا الكابوس ما زال مستمرًا، كانت وما زالت عبارة «إننا عائدون» مكتوبة على الجدران أينما حللت ونظرت على جدران فلسطيننا، منحوتة في العقول والأذهان.

سنعود يومًا، هذا وعد وعهد وأمل، سيعود كل فلسطيني إلى بيته، وسينتهي ما كان يراه في المنام كل يوم من ذكريات. سينتهي هذا الكابوس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد