المساواة أحد، بل أهم، مظاهر العدل في هذا الكون، إذ لو أنصف كل مخلوق وعدل لعمل وفق علمه أن الكون كله بما فيه مصور بأمر الله -عز وجل- كائن بقوله له: كن، فكان، فكيف يتطاول بعض مخلوقاته على بعض، ولو كان مكرما بأصل الخلقة، فالذي خلق الخنزير خنزيرا وأهانه، خلق الإنسان إنسانا وكرمه.

ولو فهم عزازيل ذلك لما تطاول على آدم -عليه السلام- واستكبر بأصل خلقته أن خلقه الله من نار، وخلق آدم من طين، وما صار عزازيل إبليسا رجيما إلا أنه نسب لنفسه شرفا ليس له فيه يد، وجحد مساواة مع آدم، إن لم يكن فضلا لآدم لم يدعه آدم، بل الله يفضل بعض خلقه على بعض.

ومن ثم فإن التفضيل لله، والمساواة ملحوظ المكلف، يضعها نصب عينه، لا يفارقها لحظة، بل لو أنصف لتواضع عن المساواة؛ إذ المساواة بين الناس قبل اقتراف الذنوب والآثام، ولعل المرء بعد الإثم والذنب قد نقص فضله وكرامته عند الله عن غيره، فلو أنصف الإنسان للاحظ ذنبه ووزره فأشفق منه، فعظم ظاهر الناس سواه الذين لم يرهم يحملون ذنبه، فوضع قدره دونهم، فاعتبر.

والمساواة: من «سوا :سواء الشيء مثله، والجمع أسواء…»[1]، ولكن هذه المساواة لا ينبغي أن تكون، ولا يدعى إليها إلا من حيث الخلقة، والشرف بين الناس، وليس من الحق أن يدعو أحد إلى المساواة في الأعمال والتكليفات والثواب الدنيوي بالمكافأة أو العقوبة؛ فإن الناس مركبون من علم متفاوت، وإرادة مختلفة، وقدرة متغيرة، فلو دعي إلى المساواة بين أحوال الفرد جميعها، أو المساواة بين أعمال الناس وتكليفهم كله، كما تروج الشيوعية والاشتراكية، وما شابهها من المذاهب المادية لأدى ذلك إلى هلاك الناس بعد فساد المجتمع؛ وقد ورد في الحديث: “لَا يزالُ الناسُ بخَيْرٍ مَا تَبايَنوا، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا تَفاضَلوا، فَإِذَا تَسَاوَوْا هَلكوا[2]، وأَصل هَذَا أَن الخَيْرَ فِي النادِرِ مِنَ الناسِ، فَإِذَا اسْتَوَى النَّاسُ فِي الشَّرِّ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو خَيْرٍ كَانُوا مِنَ الهَلْكى؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: مَعْنَاهُ أَنهم إِنَّمَا يَتَسَاوَوْن إِذَا رَضُوا بالنَّقْصِ وَتَرَكُوا التَّنافُس فِي طَلب الْفَضَائِلِ ودَرْكِ المَعالي،  قَالَ:وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا فِي الجَهْل، وَذَلِكَ أَن الناسَ لَا يَتساوَوْنَ فِي العِلْمِ وَإِنَّمَا يَتساوَوْن إِذَا كَانُوا جُهّالًا”[3].

فإذا ساويت بين الوظائف المختلفة بالأدوات المتشابهة، كنت كمن أعطى النجار والصياد قدوما ومنشارا، ثم قلت للنجار أريد كرسيا، وللصياد أريد سمكة! فهذه المساواة عين الظلم، ومنتهى عدم الفهم، بله الفقه، كذلك إذا ساويت في العمل الواحد في الأجر والمكافأة والعقاب قضيت على التنافس والإبداع والابتكار، وإذا ساويت بين الرجل والمرأة في العمل حكمت على مجتمعك أن يكون مجتمعا بلا رجولة، بكل فضائلها وشيمها من حزم وشهامة ومروة، ومجتمعا بدون أنوثة، بكل فضائلها وشيمها من شفقة وحنان وسكن.

ولكن المساواة تكون في كل الحقوق الإنسانية العامة، التي تجب لكل إنسان بموجب كونه إنسانا، كأصل النشأة، وحق الحياة، والحرية، والكرامة، وحق التعليم، وحق الطعام والشراب، وحق الملبس والأمن والدواء، وغير ذلك، بخلاف ما يتمايز به الناس بعد ذلك باكتسابهم أو بأصل خلقتهم، فكما أنه لا يمكن أن يدعي الناس بأن لهم الحق جميعا في مزاولة الطب أو تدريس العلوم بدعوى أنها من المساواة؛ لأن ذلك لا يكون إلا لمن حصل العلوم اللازمة، وحصل على الإجازة المجتمعية، فكذلك أيضا لا يجوز للرجل أن يدعي أن له حق الأنوثة، أو العكس؛ لأن ذلك من تنوع أصل الخلقة، ولكن ذلك التنوع لا يوجب شرفا في نفسه، إلا بمقدار تزكية المرء هذه الصفة فيه أو تدسيته إياها.

ومن ثم فإن من العدل في الإسلام المساواة بين الناس جميعا في الحقوق الأصلية، وفي المراتب المجتمعية: فلا يجوز أن يكون حق التعليم –مثلا- حكرا على أهل بيت دون آخر، أو على عرق أو لون دون آخر؛ لأن حق التعليم مقرر للإنسان بما هو إنسان، كذلك لا يجوز أن يتفاوت أهل الفن الواحد أو العمل الواحد بموجب معيار خارج هذا الفن؛ فلا يجوز في الإسلام أن يتقاضى طبيب أجرا أعلى من طبيب آخر بدعوى تميزه في الحسب أو العرق أو الجنسية أو نحو ذلك مما كان يفعله الاحتلال الغربي بأهل البلاد المستعبدة.

وكذلك إن الإسلام يدعو إلى التنوع بين الناس بالنظر إلى مواهبهم وتنوعهم؛ حيث إنه يعتبر إعطاء الصياد شبكة وقاربا، وإعطاء النجار قدوما ومنشارا هو عين المساواة القائمة على فهم التنوع بين البشر.

__________________________________________________________________________________________

[1] ابن منظور. لسان العرب. ج14. ص408

[2] وقفنا عليه في شعب الإيمان للبيهقي. ت:عبد العلي عبد الحميد حامد. الرياض. مكتبة الرشد للنشر والتوزيع. ط1. 1423هـ. 2003م. ج11. ص357،  ونصه:” لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا تَبَايَنُوا،  فَإِذَا اسْتَوَوْا فَذَاكَ حِينُ هَلَاكِهِمْ”.

[3] المرجع السابق. ص409

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد