كثرت اللحى في زمننا هذا، فهناك القائمة على شبح الموضة، وتلك التي يعفيها أصحابها اتباعًا لنهج وسنة خير البشر سيدنا محمد، أما الأولى فلها ما لها وعليها ما عليها، وليست المقصودة الآن، لكن الثانية هي محور الكلام، وتلك التي نبدأ ببعض أصحابها حديثنا.

الكثير منا سمع قصة الإمام أحمد بن حنبل وقضيته العقائدية أمام ثلاثة خلفاء عباسيين متتاليين، وهم المأمون والمعتصم والواثق، وكيف لم يصمد في تلك المحنة التي وقعت في أرض الإسلام، سوى الإمام أحمد، وعلمنا صحابة وقفوا أمام الحسين، وحاولوا منعه من الخروج إلى الكوفة، وسمعنا عن الفتنة التي وقعت في زمن عثمان بن عفان، والنزاع على السلطة بين فريق معاوية، وفريق علي – رضي الله عنهم – ورؤية كل من الفريقين للآخر أنه فاقد للشرعية، فمن أين جاء بعض أصحاب اللحى في فترة من الفترات بفتوى تحريم الخروج على الحاكم، ثم بعد ذلك بفترة لم تطل كانوا يتزعمون الحشد الخارج على حاكم إسلامي بطريقة غير شرعية، وساندوا خسيسًا لم يحترم حتى مطالبهم، ونكث اتفاقه معهم كعدم حفاظه على مواد الشريعة في الدستور، بل تطاول على أمور شرعية، وسبَّب سفكَ دماء الآلاف، واعتقال عشرات الآلاف زورًا وبهتانًا، ليعود مكشرًا أنيابه ويفوق بذلك مبارك وسالفيه.

نعم، سمعنا قصص الإمام أحمد وأدركنا مواجهته السلاطين، والحسين ومواجهته من قبل الصحابة، لكن لم نسمع عن صحابة ناصروا الظلم والظالمين لأي سبب كان، كنصرة يزيد بن معاوية أو مجرد تأييده في جرائمه، فهذا لا يعطي لهم الحق في نصرته مطلقًا، وإذا كانت الأولى عن خطأٍ، فالثانية أدهى وأمرّ، فالمؤمن لا يقع في جحرٍ سافكٍ للدماء مرتين، إلا إذا كان الأمر مقصودًا، فها هم (أصحاب نفس اللحى) اليوم يعلنون عن دعمهم التام لنفس السيسي في مهزلة الانتخابات تلك، التي لا يوجد فيها منافسة من الأساس، فلماذا هذا التأييد ولا حاجة له أصلًا؟!

لا أعرف سببًا واضحًا، لكن إذا كان منبعه الإكراه، فلا يحق لهم – بأي حال كان – التأييد، ولا يعني ذلك أننا نطلب منهم المعارضة، بل نطلب الصمت والبعد عن الطريق تمامًا، فإن لم تكن قادرًا على مواجهة الفساد في أرضه، فاعتزل تلك الأرض، ألم ترددوا دائمًا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس؟ وأن من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؟ أين أنتم من هذا؟ هاجروا واعتزلوا تلك الأرض، وارفضوا هذا المنكر بقلوبكم، بدلًا عن تأييده بحجة الإرغام.

من المؤكد أن تلك دعوة للخنوع، والرضا بالظلم، وهذا مخالف لديننا وفطرتنا، ومخالف لسنة نبينا وفعل صحابته الكرام وتابعيهم، مما يجعله مخالفًا لتلك اللحى التي تزين وجوههم، فكيف تعطي سلفية السيسي هنا لحاكمها الشرعية الكاملة في التخريب والقتل و(الضرب في المليان) لمرات متتالية؟ وسلفية ابن سلمان هناك الرخصة لولي نعمتها في فعل الجرائم وانتهاك الحرمات والعزوف عن البيت الحرام والاندفاع نحو الانفتاح والعصرنة والحفلات الموسيقية الصاخبة؟ وتكون نقطة الاتفاق كونهما لا يُغضبان سلطةً أو مركز قوة، وتكون الضحية دائمًا هي سبب الجريمة التي وقعت في حقِّها.

السلفية الحقيقية تلك التي دعت إلى عودة المجتمع إلى ميراث ربه وهدي نبيه؛ ليصبحوا كسلفِ الأمة الصالح، وتعود الأمة لما كانت عليه في سالف الدهور، وليست السلفية تلك التي انسلخت من رداء الشريعة، جالسةً تحت أقدام السلطان، متنفسةً برضاه، فإما الإنقلاب على تلك المنهجية الساذجة، أو حلق تلكم اللحى الفاسدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!