المحسوبون على السلطة في الجزائر يتباكون على الأطلال، واسطوانة العشرية السوداء ما زالت تدور، متى يدرك هؤلاء أن أوراقهم سقطت وانتفت.

إن التغاضي المستمر والممنهج لمسؤولي البلاد لما يحدث في الشارع لن يساهم إلا في استفزاز الشعب، وبالتالي استمرار منطق الشارع؛ مما سيسرع من وتيرة إسقاط ليس فقط الوجوه البارزة للحكم، ولكن هيكلية النظام ككل، السلطة اليوم بمختلف مكوناتها ما أحوجها للتعقل، والتنبه، وقراءة أحداث الشارع قراءة متأنية وعميقة، وتقديم تنازلات لصالح الشعب تخدم الوطن والمواطنين بالدرجة الأولى، وتسمح لها ككيان أصبح منبوذًا، وغير مرغوب فيه، الخروج السلس والهادئ يحفظ ماء وجهها.

الموقع الجيوسياسي للجزائر ومساهمتها في إحداث توازن في المغرب العربي بعد الثورات العربية وحفاظها على استقرار المنطقة يُلزم الدول الكبرى والعلبة السوداء في الجزائر استقراء الماضي واستشراف المستقبل للخروج من الأزمة بأقل الخسائر، وبحل وسط بين الشعب والسلطة يعيد للجزائر دورها الريادي في المنطقة والعالم ويفكك الألغام المؤقتة في الداخل.

إن الحرب التي قادها بوتفليقة ضد صانع القرار في التسعينات وسحب البساط من تحته وتفكيكه لكل الخلايا المرتبطة له، أدت إلى تركز كل آليات السلطة في شخص بوتفليقة. ومع مساهمته في تصحير المشهد الوطني من الشخصيات ذات الوزن الثقيل الفاعلة والمقبولة شعبيًا، أفرز لنا معارضة شكلية لا قاعدة شعبية لها، وأكثر من ذلك انتهازية.

كما أن انحصار السلطة في شخص بوتفليقة قتلت المشهد السياسي بالكلية، خاصة بعد 2012، وفتح المجال واسعًا للانتهازيين والاستغلاليين، وولد لنا رجال أعمال جمعوا ثرواتهم عن طريق الارتباط الشخصي للدائرة الضيقة لبوتفليقة، وساهمو في استمرار حكمه لغاية اليوم.

 بعد مرض الرئيس وعدم قدرته وإطلاعه على المستجدات اليومية للبلاد ارتفعت أسهم هؤلاء، وأصبحوا رقمًا صعبًا في المشهد السياسي، إذ إن أي تغيير في السلطة يهدد مباشرة مصالحهم الشخصية، لذا سيفعلون المستحيل للحفاظ على الوضع الراهن لأطول مدة ممكنة.

إذًا في ظل تركز السلطات كلها في شخص الرئيس، وعدم وجود صانع قرار موازٍ، ووجود انتهازيين سياسيين ورجال أعمال يفرضون توجههم لاستمرار السلطة على ما هي، وعدم وجود شخصيات معارضة ذات ثقل ووازنة تقدمت بحل وسط أو بديل يعطي للسلطة فسحة للخروج الآمن ويطمئن الشارع بالمستقبل.. لا يمكننا إلا أن نرى نظريتين.

النظرية الأولى وتعتمد على انطلاق حراك ٢٢ فبراير (شباط) بعفوية، ودون تخطيط مسبق، وهذا يعطي ثلاثة توجهات للأزمة:

1- رضوخ السلطة لمطالب الشعب وسحب ترشيح بوتفليقة بضغط من الخارج والداخل يتبعه تأجيل الانتخابات للبحث عن شخصية مقبولة في الوسط الشعبي، ولدى السلطة يقود البلاد لعهدة رئاسية كاملة تتخللها مشاورات سياسية عميقة بين أطياف المجتمع تقود لجمهورية ثانية.

2- تعنت السلطة وذهابها للانتخابات مع ازدياد احتقان الشارع يؤدي إلى عصيان مدني؛ مما يلزم المؤسسة العسكرية مكرهة للانقلاب على السلطة وإقامة مجلس أعلى للدولة من شخصيات وطنية مقبولة في الشارع تقوم على مدار عامين بإعادة تشكيل المشهد السياسي للبلاد مع تعديل الدستور بالتشاور مع كل أطياف المجتمع والذهاب لانتخابات رئاسية بعد ذلك.

3- تجاهل السلطة للحراك في الشارع بأمل أن ييأس الشعب، ويعود لما كان عليه قبل 22 فبراير، والدفع ببوتفليقة لعهدة خامسة، وعدم تدخل الجيش، وهذه مغامرة خطيرة غير محسوبة العواقب، خاصة مع بقاء الحراك وانضمام كل فئات المجتمع له حتى التي كانت محسوبة على النظام وتزايده يوميًا نتيجة الاستفزاز؛ مما يفتح المجال لكل التصورات، ويؤدي إلى انزلاقات خطيرة، ويرهن البلاد لتطورات مجهولة تقودنا إلى ما لا يحمد عقباه.

إن التاريخ يعيد نفسه بكيفيات مختلفة والقراءة الرزينة والعميقة له من طرف السلطة تعطي لها حلول كثيرة وغير عنيفة تهدئ بها الشارع وتلبي مطالبه مع انسحابها بكل شرف وبجميع غنائمها ويعطيها حصانة من اي محاسبة في المستقبل.

أما استمرار تجاهل ذلك، وتغليب المصالح الشخصية على مصلحة البلاد قد يقود إلى حلول كارثية لا غالب فيها لأي احد.

النظرية الثانية وتعتمد على تحريك الشارع بفعل فاعل وحسب المؤشرات تتجه الأمور لطريقين اثنين، إما بفرض استمرارية الرئيس بوتفليقة لعهدة جديدة بكل الوسائل ومجابهة مخاض الشارع بالتهدئة وإعطاء وعود للإصلاح العميق في النظام السياسي الجزائري تارة، وبالعنف والاعتقالات للرؤوس المحركة للتظاهرات تارة أخرى.

او انهيار السلطة وسقوط ورقة الرئيس بوتفليقة تحت ضغط الشارع، وبالتالي فإن الغديري سيكون الرئيس الجديد للجزائر تحت رعاية آلة إعلامية ضخمة وتسخير ممتلكات الدولة لحملته.

وسيكون في الأيام القادمة شد وجذب بين داعمي بوتفليقة بكل هياكل الدولة ومؤسساتها وبين جماعة الغديري باستغلال التصعيد المستمر للشارع وبعض الأقلام الصحافية، وبقايا Drs وفئة معتبرة من الضباط الكبار.

وفي نهاية الأمر ما هو إلا تغيير نظام فاسد بنظام أفسد منه يستغل الشارع الجزائري أيما استغلال في حربه للعودة إلى مفاصل للسلطة.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد