﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (9) الزمر

التعليم جواز السفر إلى المستقبل. مالكوم إكس (1925 – 1965)

إن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الاعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص.  فرج فودة (1945-1992)

إن تحقيق الأهداف التي من أجلها ثار الشعب التونسي ذات يوم في ديسمبر (كانون الأول) 2010 حتى أسقط منظومة الاستبداد في يوم آخر من يناير (كانون الثاني) 2011 كان منطلقًا لتحول جذري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككل لا تزال ارتداداته تمتد لليوم. فثورة 17 ديسمبر – 14 يناير في تونس لا تزال تداعياتها ممتدة لليوم داخل تونس وخارجها. فبالنظر إلى الوضع الداخلي التونسي لا يزال الصراع بين الثورة والثورة المضادة مستعرة ناره كأشد الاستعارة لليوم، وهي تساهم بشكل رئيسي في تعطيل كل أفق لتحقيق تلك الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي حلم بها الثوار، من استشهد منهم ومن ينتظر وما بدلوا تبديلًا. كما أن الإقليم يشهد حروبًا أهلية مستعرة في اليمن وسوريا ومحاولة للملمة بقايا تلك الحرب في ليبيا عبر إرساء حكومة وحدة وطنية تعيد الأمل لليبيين في ليبيا موحدة بعد أن كادت تنقسم على نفسها.

إن التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وما تبعها من مصالحة خليجية ومصالحة ليبية، وبدء إعادة ترتيب العلاقات بين تركيا ومصر، وما سيتبع ذلك اختيارًا أو اضطرارًا من مصالحة بين السعودية وتركيا من ناحية، والإمارات وتركيا من ناحية ثانية، وما قد يؤدي إليه ذلك من تحولات على الساحة الإقليمية والمحلية التونسية من تخلي بعض القوى الإقليمية عن بيادقها في تونس، ودفع الكل نحو الكل اضطرارًا لا اختيارًا باعتبار الدور المهم الذي من الممكن أن تلعبه تونس بوصفها قاعدة لوجستية مهمة في إعمار ليبيا من ناحية، وبوابة رئيسية نحو أفريقيا من ناحية ثانية.

كل هذا يدفع للنظر بتفاؤل إلى المستقبل والبحث في الشروط الضرورية لكي يكون مستقبل تونس أفضل من حاضرها وهذه الشروط يمكن حصرها في أربعة شروط أساسية:

أولًا: إصلاح المنظومة التعليمية

إن تحول تونس إلى «مجتمع تعلُّم» وهو مفهوم صاغه عالم الاقتصاد حائز جائزة نوبل، جوزيف ستيجليتز (ولد 1943 تحصل على جائزة نوبل سنة 2001 مع جورج أكرلوف ومايكل سبنس لتحليلهم للأسواق وفقًا لأسلوب المعلومات غير المتماثلة) لوصف الدول التي يؤدي فيها تبادل المعارف لتعزيز روح الابتكار. يتطلب أن تتغيَّر المنظومة التعليمية والتربوية التونسية نحو تركيز المناهج الجديدة على المهارات عوضًا عن النظريات المجردة، بحيث لا يمكن للمتخرج من المؤسسات الجامعية المتخصصة في المجالات التكنولوجية والهندسية منافسة خريجي التكوين المهني. فنظرًا إلى حاجة اقتصاد المستقبل إلى عملة مهرة وكفاءات عالية التكوين في مجالات التكنولوجيا والهندسة والرياضيات (التطبيقية والنظرية معًا) فإن رد الاعتبار للتعليم المهني في مستوياته المختلفة من الابتدائي إلى التعليم العالي، مرورًا بالتعليمين الإعدادي والثانوي، أصبح أمرًا ضروريًّا لا غنى عنه اليوم قبل الغد في ظل المنافسة الشديدة بين الدول في صناعة العقول وتقوية رأس المال البشري.

إن الانتقال لمجتمع تعلُّم يتطلب تشجيع الابتكار، والمخاطرة، وصقل مهارات التفكير النقدي، والمهارات الإدارية في منظومة العمل التشاركي (التعاون والتضامن) لخريجي المستقبل من المؤسسات التعليمية والتربوية. إن إدارة الغد إدارة مفتوحة تقوم على علاقة أفقية بين أطرافها يكون فيها رئيس الإدارة منسقًا لا آمِرًا. فعصر الإدارة المغلقة القائمة على علاقة عمودية تقوم على أمر – تنفيذ قد انتهى.

إن إصلاح المنظومة التربوية التعليمية سيساهم في إصلاح وتحسين كافة مجالات الاقتصاد من زراعة وصناعة، ويمكِّن البلاد من دخول عصر الاقتصاد الرقمي والحياة الذكية.

ثانيًا: تطهير مؤسسات الدولة من الفساد

لا يمكن دخول المستقبل مع إدارة ينخرها الفساد ومع وجود سياسيين يحمون الفاسدين بل يسنون قوانين تحمى مصالحهم وتيسر لهم سبل السيطرة على كل قدرات البلاد. إن الخسائر الناتجة من الفساد في مؤسسات الدولة والمجتمع تقدر تقريبًا بأكثر من 3 مليارات دولار سنويًّا (8263 مليار من المليمات التونسية)، وهو مبلغ مهول جدًّا في تونس قادر على تغيير كامل البنية التحتية التربوية والصحية والمواصلتية والاتصالية، لو خصص للتنمية في تونس عوضًا عن أن يترك للفاسدين في ظرف خماسية واحدة فما بالك في عشرية. (خسرت تونس 30 مليار دولار في العشرية الأولى للثورة، أي ما يساوي 82630 مليار مليم وهو مبلغ ضعف ميزانية الدولة لسنة 2021).

إن إصلاح المنظومة الضريبية في تونس والقضاء على التهرب الضريبي (حجم التهرب الضريبي بلغ نحو 8.3 مليار دولار (22862.373 مليار مليم) منذ العام 2011 طبقًا لتصريحات الحكومة بمعدل 490 مليون دولار سنويًّا، 1349.706 مليار مليم) وإصلاح المنظومة الديوانية التونسية وتحرير الموانئ (خسائر ميناء رادس قرابة 2000 مليار سنويًّا) والمطارات من عصابات الفساد والتهرب والتهريب أمر ضروري وحتمي لإعادة الحركية للاقتصاد التونسي وكسب ثقة شركاء تونس الاقتصاديين.

إن خسائر الفساد في تونس طيلة العشرية الأولى للثورة (دون اعتبار ما كان يحصل قبلها من حكم مافيوزي منظم للدولة) تقدر بأكثر من 100 مليار دينار (107492.373 مليار مليم) وما خفي كان أعظم.

لا يمكن تحقيق أي نمو إيجابي في تونس ولا إنجاح أي مشروع إصلاح وإنقاذ للاقتصاد التونسي دون القضاء على الفساد وتطهير مؤسسات الدولة التونسية ولا يتحقق هذا إلا بإرادة سياسية وطنية فاعلة لا يكون ولاؤها إلا لتونس فقط، لأن الكثير من الفاسدين تحميهم قوى خارجية إقليمية ودولية.

ثالثًا: الإصلاح السياسي

لقد تأكد واقعيًّا من خلال الممارسة أن تونس بحاجة لإصلاح سياسي شامل يعدل الدستور نحو تثبيت النظام البرلماني بحصر رئاسة السلطة التنفيذية عند رئيس الحكومة، وتحويل منصب رئيس الجمهورية لمنصب رمزي شرفي يجري اختياره من بين الشخصيات الوطنية من قبل البرلمان، تكون مهمته السهر بدعم من المحكمة الدستورية على فرض احترام الدستور وحماية الدولة من عودة الاستبداد بأي صيغة كانت. قد يقول البعض إن النظام الرئاسي أكثر استقرارًا ويمكن وضع نظام رئاسي شبيه بالنظام الأمريكي يخضع فيه الرئيس لرقابة صارمة من البرلمان والمحكمة الدستورية منعًا للاستبداد، وهي وجهة نظر معقولة ولكن البلاد التونسية لا تزال في بداية تشكل الدولة الديمقراطية فيها، وليس من الحكمة في الوقت الراهن وضع كل السلطات في يد رجل واحد، مهما كانت نواياه، خاصة مع وجود طبقة سياسية تفتقد للحس الديمقراطي وللممارسة الديمقراطية في إدارة أحزابها، فما بالك في إدارة الدولة بصلاحيات مطلقة؛ فالنظام الرئاسي يصلح لمجتمعات استقرت بها الديمقراطية وتغلغلت اجتماعيًّا بحيث أصبح المجتمع ذاته ديمقراطيًّا، ولكن تونس لم تصل بعد لهذه المرحلة فلا يزال المجتمع يحكمه منطق الإقصاء للآخر وهو سبب الانسداد السياسي اليوم.

إن تعديل الدستور بتعديل النظام السياسي وإضافة فصل يمنع الاستيلاء على السلطة بالقوة، ويمنع التشكيلات السياسية التي لا تؤمن بالدولة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، ويضع عتبة في اختيار نواب الشعب منعًا للتشتت بإصلاح القانون الانتخابي ويحجر دستوريًّا على كل من به شبهة فساد أو متهرب ضريبي أو منحل ومنحط أخلاقيًّا من الترشح للبرلمان مع اشتراط مستوى علمي معين حتى لا يكون البرلمان مفتوحًا لمن هب ودب ووضع قانون للصحافة يجعل من الحوارات السياسية تقوم على البرامج التنافسية، وليس التحريض على الأشخاص والجهات والتحريض على الكراهية هو المدخل السليم نحو المستقبل.

رابعًا: السياسة الخارجية

إن موقع تونس إستراتيجي جغرافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا بوصفها بوابة أفريقيا، ولو استغل هذا الأمر جيدًا فستكون له فوائد كبرى من الناحية الاقتصادية، فمع المصالحة الليبية ورغبة الولايات المتحدة من ناحية والصين من ناحية ثانية، على المساهمة في إعمار ليبيا، فإن موقع تونس يسمح لها أن تكون القاعدة اللوجستية، لذلك لو أحسن قادة البلاد الحاليون والمستقبليون استغلال الفرص الموجودة والقادمة والتي تقدر بآلاف المليارات والحكومة التونسية تلقت عرضًا من الصين أهمل لحد اللحظة حماية لمصالح الحامي الفرنسي. إن النخبة السياسية أمامها فرصة لتدخل التاريخ من بابه الواسع بوصفها بانيًا لنهضة تونس وازدهارها، ولكن يبدو أن تبعيتهم لقوى دولية وإقليمية تمنعهم من دخول التاريخ وتدفعهم دفعًا للخروج منه بأن يكونوا في مزبلة التاريخ.

إن سياسة خارجية فاعلة وناشطة أمر مصيري بالنسبة لمستقبل تونس ولمستقبل الأجيال اللاحقة، واستغلال الفرص التي ستتيحها التحولات الإقليمية والعالمية القادمة في المحيط لتحقيق أهداف تونس في التنمية والازدهار والتقدم سيكون دليلًا على مدى ذكاء النخب الدبلوماسية التونسية.

إن تحقيق هذه الشروط يتطلب طبقة سياسية وطنية صادقة تقدم مصلحة الوطن على أية مصلحة أخرى، وهو للأسف ما تفتقده تونس اليوم، إذ إن الطبقة السياسية طبقة تابعة خاضعة لقوى خارجية لا هم لها إلا دفع تونس نحو الخراب وإفشال كل إمكان لنجاح الحكم الديمقراطي فيها بوصفه يهدد مصالحها الاقتصادية (فرنسا) أو يهدد عروشها من الجذور (المستبدين الإقليميين).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد