إن المتأمل في مجموعة «طير بلا أجنحة» القصصية للمُفَكِر والأديب عبد الرحمن أبو ذكري يلمح فيها ملمحًا مهمًا؛ فبالرغم من أنها قصص قصيرة شديدة الكثافة إلا أنها أشبه بالأعضاء في جسد واحد، فالقصص ليست شظايا متفرقة لا يربطها رابط، بل إنها كل متكامل تتمايز أعضاؤه بحسب وظيفة كل منها لتحدث في النهاية حالة منسجمة شعوريًا بين قصصها المتنوعة، وهذا عندي لا يتأتى إلا من خلال تجربة صادقة حارة كابدها الكاتب ليسكب بعضًا من ذاته في هذه المجموعة. وهذا ما عبر عنه الكاتب في التذييل قائلًا:

لقد عرف القدماء الأدب بوصفه تجربة شعورية، وهو ما أؤمن به؛ لذا لقد عبرت – بشكل أو بآخر عن تجربتي الشعورية – ومن ثم؛ فلن يجد القارئ في هذه المجموعة ظلًا للعدمية، التي تَصِمُ أدبنا الممسوخ المنسوخ من آداب الحداثة الغربية وما بعدها. إن تلك العدمية ليست جزءًا فنيًا كما يظن بعض السذج، لكنها كل إنساني؛ تعبر عن رؤية للإله والإنسان والكون، رؤية باحث مخيب الرجاء، وهو ما لم يكن جزءًا من تجربتي الإنسانية… أما السبب الثاني لغياب العبثية عن هذه المجموعة؛ فهو أنها هادفة أي تُبطِنُ هدفًا؛ ومن ثم فلا مجال لاختفاء الغائية. إن هذه المجموعة تعبر عن مؤلفها، ومن ثم فليس ثم مجال لترهات المدارس النقدية البنيوية وما بعدها.

استوقفتني مقولة لد. محمد صفار في إحدى محاضراته مناقشًا كتاب «التصوير الفني في القرآن» لسيد قطب حين نعت طريقة الكثيرين في تناول كتابات سيد قطب بالسوقية؛ وأظنه كان يعني أن حرارة وصدق تجربته بحاجة إلى تأدب في التناول حتى وإن لم يتفق القارئ أو الناقد مع رؤيته. وبالمثل أرى أن حالة الإخلاص وصدق المكابدة الشعورية السارية في المجموعة أصدق من أن تنقد باستخدام أدوات النقد الغربية المعروفة والتي يتم تدريسها في كليات الآداب وغيرها. إننا بحاجة لنحت نموذج أكثر تفسيرية للتعامل مع النص – كما فعل د. عبد الوهاب المسيري حين أراد تفسير الظاهرة الغربية والحالة الصهيونية، فلقد عمد إلى نحت نماذجه التفسيرية الخاصة حتى يؤتي التفسير ثماره ولا يكون تفسيرًا غير مُفَسِر أو تفسيرًا ضد التفسير كما أسميه.

إنني أطرح الجوانية نموذجًا تفسيريًا لتلك المجموعة، وهو يتباين عن التحليل النفسي الغربي الذي يرجع الحالة الكتابية لمجموعة من العقد النفسية غير المتجاوزة لصور الحياة، بل إن الجوانية هي حالة التقاء ذات الكاتب وتجربته الشعورية مع مكابدته في عروجه إلى الله؛ لذا فهي تجربة متجاوزة سطح الواقع بضيقه إلى عالم الغيب بفسحته ورحابته. وإذا ما استهللنا بالغلاف نجده معبرًا عن تلك الحالة؛ إنه يعكس حالة من الحيرة والعناء ولكن لهما غاية وجمالًا؛ إن تلك الحالة من المكابدة يرجى منها الارتقاء والعروج وليست مثل الحالات العبثية التي تفضي بصاحبها للجنون أو الانتحار، كما أنها في الوقت ذاته لا تسقط عنه المكابدة لأنه آمن بالله وكفى – كما هو الحال في بعض الآداب الساذجة والتي تُنعَت بالأدب الإسلامي حيث كل القضايا تُحَل وكل الإشكالات الإنسانية وعبء الحياة يُفَض بمجرد الإيمان الذي يعمل عمل التعويذة السحرية في مثل تلك الأعمال. إن الكاتب بغلافه لا يسقط عن قارئه عبء الحياة والمكابدة فيها ولكنه يبشر – بخلاف الكثير من الآداب الغربية – أن هذه الحيرة بل والتيه قد يتولد في رحمهما الأمل والقدرة على التجاوز عروجًا لله عز وجل.

كما قلت إن هناك وحدة شعورية سارية في المجموعة كلها؛ وحدة تجعل قراءة القصص منفصلة عملًا به قدر من السوقية لأنه ينحر المجموعة في كلها المنسجم، لذا فلقد آثرت قراءة الحالة الجوانية ورصد كثافتها الشعورية في المجموعة، فوجدت أن ذروتها تأتي عند قصة «المظلوم» التي تروي حديث الكاتب مع الشيطان الذي يتبرأ من أفعال بني البشر، فلقد فاقوا كل توقعاته وأضحوا يتفننون في الشر ويتمايزون في أساليبه لدرجة تفوق قدرات الشيطان نفسه، وفي هذه القصة يربط الكاتب بين ارتضاء الظلم وقبول امتطاء المحكومين لحاكميهم بقدرة الإنسان على التفنن في الشر والتفوق على إبليس نفسه بارتضاء تلك الفعلة. وفي هذا السياق يقول على لسان إبليس:

«لا تظنن أنني آسى لانحراف بني جلدتكم، بل على العكس؛ إنما أرثي لنفسي ممن رمتني بدائها وانسلت… وكلكم هي! تأتون ما نَعِفُ عنه معشر الأبالسة؛ ثم تنحون باللائمة عليَ وعلى ذريتي المنكودة… يركبكم الطاغوت بلا مُسوغٍ ولا مُبَررِ ولا رسالة؛ فتُسبِغون عليه من الصفات ما لا يكون إلا لله سبحانه! تنقادون له كالسائمة بغير اعتراض، وتنامون له نوم التي تشتهي الفحل؛ ثم تعتذرون بأن ضعفكم مرجعه الشيطان».

وهذه القصة تمثل ذروة الصراع الساري في المجموعة؛ إذ إنها تقر ضمنًا حسم الكاتب للتشوه الذي أصاب الواقع لدرجة يستحيل معها التدافع معه لإصلاحه وهذا ما سيأتي تفصيله.

إن الحالة الجوانية السارية في أوصال المجموعة هي محاولة العروج في واقع شائه؛ وقد عَدَدَ الكاتب نماذج هذا التشوه في القصص الأولى بداية من «من جنس العمل» حيث صورة الأب المشوهة وكيف كانت سببًا في ضياع الابن المُدَلَل. إن الكاتب يُصِر على التجاوز حتى وإن كان ذلك في البداية بمشاعر السخط المتمثلة في انتزاع الابن صورة أبيه من الجدار ووطئها بقدميه. إن هذا الفعل في هذا السياق يمثل نوعًا من التجاوز عوضًا عن الاستسلام لنهش براثن الحسرة على ما فات وإن لم يكن تجاوزًا فعالًا أو مثمرًا.

لقد سارت محاولات التجاوز في القصص الأولى ما قبل «المظلوم» على الوتيرة نفسها؛ نماذج شائهة لا سبيل للتدافع معها، فلا مناص إذن في التجاوز من خلال مشاعر السخط – كما عبر الكاتب عنه في «من جنس العمل» أو التقزز من صورة الأنثى المشوهة كذلك كما في «كاثرين»، ففي هذه القصة يكثف الكاتب مشاعر احتقاره لنموذج ما للمرأة لا يفصح عنه بقدر ما يبين عن مشاعره تجاهها. ويختم كثافة مشاعره الجوانية لنموذج المرأة المتجسدة في كاثرين قائلًا «أأبدو فظًا؟! اعذُريني يا عزيزتي؛ فإليك يرجع الفضل في معرفتي معنى أن تكون المرأة أحيانًا مقززة!» وبرغم عدم الإفصاح عن السبب وراء هذا الشعور بالتقزز إلا أننا يمكننا استنباط نمذجة الكاتب لصورة الأنثى الحداثية وتجسيدها في هذا المشهد المكثف؛ إنه النفور من تلك المرأة الفاقدة للأنوثة وإن كانت لا تزال تحمل لقب أنثى اسمًا إلا أنها فقدت حقيقته.

وإذا ما طالعنا القصص ما بعد الذروة المتمثلة في تكشف الصراع بين الإنسان والشيطان في «المظلوم» وإقرار أن تلكم الصور الشائهة لا يقدر عليها إبليس بفعله وإنما هي تفوق بني البشر عليه نجد أن محاولات التجاوز قد أخذت صورًا أكثر جلاء ومشاعر أقرب لتلك التي تصطحب في حالات التجاوز؛ إن حالة التقزز من المرأة في «كاثرين» قد استحالت لحيرة في «الحلم»، حتى وإن لم تتوج هذه القصة بالزواج أو مبادلة الحب، فإننا لا نجد حالة الاحتقار والتقزز – كما هي في «كاثرين» مما يعكس الأمل في التجاوز وقدرة المكابدة على الخروج من حالة التيه عروجًا إلى غائية الوجود مع عدم إسقاط عبء التكليف الإنساني. وهذا يظهر جليًا في استهلال الكاتب لقصة الحلم قائلًا «امتدت زمالتنا في العمل لما يربو على العامين. ولا أستطيع إنكار إعجابي بشخصيتها للوهلة الأولى، والذي كان ينمو، ويزداد رسوخًا بمرور الوقت… لكن لم يجل بخاطري يومًا أن أتزوج بها، لا لشيء؛ حاشا كوني غارقًا في أحلام اليقظة حتى أذني».

وفي قصة «رضا» جسد الكاتب ذروة التجاوز الإنساني في مواجهة محن الزمان في صورة الشيخ الأعمى المشلول وقد تكثفت مشاعر التجاوز في خاتمة القصة حين قال «حين ألمس يده اليُمنى لأصافحها؛ تحتضنني عيناه المطفأتان، بأبوة دافقة؛ قائلًا بصوت مُشَبَع برضا لم أخبره من قبل: «اجلس يا ولدي.. عذرًا.. لا أستطيع مصافحتك؛ فلقد شُلَت يدي، ولله الحمد». ونلحظ أن حالة التجاوز تلك قد تشكلت في ظروف استثنائية؛ فإنه تجاوز لشيخ هارب «من القصف الإسرائيلي المتوحش لغزة»، وكأن الكاتب يضمر ضمنًا باستحالة التجاوز إلا في الظروف الاستثنائية لأن الواقع أضحى من الفساد ما لا يمكن التجاوز فيه إلا في حالات كتلك أما غير ذلك فالسخط والتقزز وغيرهما من مشاعر الرفض هما أقصى ما يُطمَح إليه في واقع مشوه كالذي نحياه، لذا جاءت حالة التجاوز الجلية الوحيدة في المجموعة لحالة إنسانية في ظروف استثنائية وفي حالة شبه مثالية.

إن ترتيب المجموعة القصصية متسق مع الحالة الشعورية الجوانية للكاتب؛ إننا في حالة عروج بداية من مشاعر الرفض والسخط والتقزز وصولًا لذروة الصراع وحسم حالة الصراع لصالح شرور الإنسان المتفوقة على الشيطان ذاته حتى نجد حالة التجاوز في صورتها المثالية في قصة «رضا». ولقد صرح الكاتب نفسه أنه قد رتب القصص لسبب ما نسيه على هذا الترتيب. وتعتبر القصة الأم في هذه المجموعة هي «طير بلا أجنحة»؛ إذ تمثل أقصى ما تكثف من الحالة الشعورية الجوانية للكاتب. إن أصدق ما تكثفت فيه تلك الحالة تلك الجمل «لكنً الحقائق لا تُعمَر طويلًا في عالمٍ يقتات الوهم. فلا مناص يجرِفُها نهر النسيان إلى محيطات اللاوعي. أو، هو الأسوأ؛ أن يُنشِب الوهم أنيابه الحادة كخناجر المرتزقة في جسد الحلم. وهو ما حدث؛ ليهدمني». إن هذه النهاية الخادعة جاءت بعد قصة «رضا» إذ بعد أن تنفس القارئ الصعداء متوهمًا أن حالة التجاوز قد بلغت ذروتها وأن العروج قد وصل لنقطة اتزان عند الكاتب، إذ به يُبَاغت بتلك القصة الكثيفة والتي بكثافتها قد أحدثت كوة للعبور من هذا الواقع الذي لا أمل للتجاوز فيه لعالم الغيب من خلال الحب وهذا ما أسدل عليه الستار بقولة الطير الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة للبطل الحاني «سأظل أحبك.. هذا وعد!». إن حالة العروج في تجربة الكاتب قد اكتملت باستحالة إقامة الحقائق في عالم يقتات الوهم لذا فلا مناص إلا الحب للعروج إلى الله في واقع كهذا فهو الملاذ الوحيد بعد فقدان الأمل في أي محاولة جادة لإقامة الحقائق والعيش بها. ولهذا فالحب هو ذروة العروج في تجربة الكاتب الجوانية.

وهذا يدفعني لتساؤل أجدني أطرحه على نفسي دومًا هل الحقائق فعلًا لا سبيل لها في هذا العالم؟ وهل الحب هو الكوة الوحيدة للعبور لعالم الغيب أم المسئولية الإنسانية في تقبل محن الزمان كما أقرها علي عزت بيجوفيتش في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب». إنني أجد نفسي لا يسعني إلا رؤية المسئولية هي الملجأ الآمن للعروج وإن كنت لا أنكر على الكاتب، فكما قلت إن الإخلاص والصدق المبثوث في المجموعة ليس له إلا الأدب في التعامل معه والإعجاب به حتى وإن اختلفت معه. وإذا ما تسنى لي إعادة كتابة الجمل التي تعبر عن أقصى كثافة شعورية جوانية لقلت إن الحقائق تصمد في عالمٍ يقتات الوهم بتكبد عناء تحققها. وهذا ما يضمن لها الانتقال من محيطات اللاوعي إلى حيز الفعل والتحقق. وهذا ما يحول دون أن ينشب الوهم أنيابه الحادة كخناجر المرتزقة في جسد الحلم. وبهذا يصبح موت الطير تحققًا للحقائق وليس موتًا لها لأن صور الانتصارات تتحقق بتحقق المعاني المشيرة إليها – كما كان الحال في انتصار أصحاب الأخدود وتحقق الحقائق في مواجهة الباطل برغم الصورة التي قد توحي بخلاف ذلك.

وفي النهاية فإن المجموعة أشبه بمعراج صوفي جواني لإنسان هذا العصر الذي تشوهت حوله كل المعاني وتعكرت أمامه كل الصور ليرى واقعًا شائهًا من حوله، وفي ظل هذا الحال والرغبة في التجاوز لا يجد الكاتب مناصًا سوى الحب لإحداث كوة تنفذ به لعالم الغيب آملًا في العروج والتجاوز في زمان تشوهت في المعاني وتعقدت فيه مفاهيم الشر بين بني البشر متفوفة بذلك على شرور الشيطان الساذجة إذا ما قورنت بما وصل له إنسان هذا الزمان من شرور وآثام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد