نظرة استقصائية

ما كان لي أن أبين لك يا عزيزي الضيف عن مدى وحشية الوِحدة الماقتة وأثرها في النفوس، لأتشجع دون توتُر بتشييد وصف يُرمى على أثرها اللحوق داخِل النفوس المكنونة باحتباس عاطفي دائِم. إلا أنني سأذكُر لك مولد هذا الكائِن الأنيس بكُل احتمال للأمل بعد إماته حية من غلو تكدير الحياة التي تحوط بأصحابها الرُفقاء معها في كُل ضير وسعيد.

خُلقت أم البشرية حواء من ضِلع آدم، والضِلع الذى يُذكر هُنا القريب من القلب، وكما نعلم أن المرأة يزيد عاطفتها النابِعة للمشاعِر عن الرجل، فلا نجد مُفارقة حين إطلاق المولى عز وجل في قُرآنه «وجعل منها زوجها ليسكُن إليها» والسكنى المتآلف عليها في هذه الحياة الدنيا من المُمكن ألا نجازِف حين نُطلق عليها وصف التوطين، فما كان إذًا من حُبٍ يتبادل إلا يُعد مقرًا للإيجاد المأمول.

وهُنا فقط نجد الإشكالية والمفارقة الحقيقية دومًا، فهل الحُب مُتشابه في أواصير علاقات أصحابه، أم أن كُلًا منا لا يجد سبيلًا لإيجاد مأمول! وهل أن معتقدي أن الحُب مطرًا هاطِلًا بغزارة يجب أن يُدلي على بثمراته، أم رذاذًا خفيفًا يُوجِد صيحة لسير محمود.

جميعنا يعي أن مُعظم قصص الحُب لا تنتهي من خلق سيناريو موضوع مُسبقًا، فالنهايات دائمًا تكون عاقبتها وخيمة على القلب بفراق أو فُقدان غير محسوب، أو أمرًا طارئًا لحرب لا تكشِف إلا عن غُربة حبيب عن وطنه، أو أخيرًا بالنظر إلى نهايات الطريق لنستقطع عودة من الزمن بفرار لا رجعة فيه لأسباب غير توضيحية، وكأن الحُب مظلمة لم نعيها حين أعالت علينا رياحه للتحرك، لنبحث عن طرف بديل يُشفي ما فات ونطوق لإستعمال القلب مرة أخرى. وما المرة الأخرى إلا تعبيرًا عن خلود غير مُعتبر، فالسير الأولي ما كان إلا حُرقة، والمبدئي للعودة إلا مفادًا لسكني غير معهود.

والسكني غير المعهود لقبيل قلبٍ آخر لا يعصفه إلا سببان، الأول فشلًا مُخلًا من الطرف الآخر لذلك عثرنا على مفر للاعودة، والثاني بحثًا عن إقلاع لأذهان لا تُريد لأصحابها أن يعتريها غلط من شبهة لم تكُن معلومة لهُم أبدًا. كنقص مِن عُهدة وعد بأنني سأرافقك حتى النهاية مهما كانت الأسباب والاحتمالات، أو أن غيرك أحقُ لى منك أو أن قلبي أحقٌ لغيرك.

وما السببان إلا عته للعلاقات بالنِسبة لي، رغم أنني أعلم يقينًا أن لكلٍ مِنا حقًا أصيلًا لإبدال وتعديل مسيرته لوجهة أخري، فالضرر قاس أيًا كان أسبابه وعوالمه والاستمرار معه مآس من الأوجاع لا يستطيع أحدًا أن يحصيها. لكني ومع كُل ذلك أقر أنا على لسان كلماتي إن كانت تلقي حظًا مِن إشارة نذير لعقول – بسؤال أبحث دومًا على إجابة له – ما معني يا صديقي أن تتجلي بالحُب، ثُم تنطوي بالتخاجُل نحو ميلة للتقدُم!

إن كانت هُناك إجابة ليس بها إخلال أتمني لي أن تدرجها بتعقيب كي أشفي مِن علو التمسُك لبُعد الروح.

وما بُعد الروح الذى أعنيه، إلا توزيع وإيراد، فأما التوزيع – إيجاد معنى شمولي للحُب، وما الإيراد إلا إيقاع طفرة من ضمير لا يريد، إلا أن يتنزه عن عته علاقات لم نُلق لها بالًا عند أسبقية النظرة الأولى التي تشي بوقوع عات لا ينقذنا منه إلا الموت وحده دون غيره.

فما الحُب بالنِسبة لي إلا إيداع الروح بروح أخرى، وإن كانت ليس أهلًا للائتمان المرجو، وما بذلك قصر من العقل، بل نضارة لحضارة لم يبحث عنها كثيرون، وكما أجد بنظرتي التي بالتأكيد سيكون عليها عتاب وتوبيخ للشنق والإعدام المُباح دون سند لمثلي، إلا أنني سأكون قد بلغت رقعة من التوحيد والإيمان الكامِل، فما أجد لهذا الطلاق النابِع من رحم القلب إلا روحًا في روح واحِدة لا أنتظر مِنها إشعاعًا أو انطفاءً يكون عُكازًا كافيًا لهروب آخرين!

ألقوا نظرة على حواء التي حوت، وآدم الذي تأدم بالآدمية، أي الإنسانية، ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي حمد وشكر وجبر، ولا تلقوا نظرة على حُبٍ يُفترى ويُشترى بكلام لاسِع للذِهن خامِدًا للمشاعِر دون وعي يرتقم، لم أعثُر حتى اللحظة على صاحبتي الذي أريدها ليس كما هي، ولكن بكُل ما هي – من اختلاط وانتساب، لخوالِق من عيوب لن ألقي عليها عتاب، وكُل ذلك لبُعد الروح في احتساب. ربما سأبلغ الثلاثين والأربعين دون إيجاد – وإن طال العثور أرجو أن يكون هُناك ميعاد.

وما الحُب عبر الأزمنة إلا كان هُناك هواة من أفراد يتفقون دون انقراض، بأن الحُب باب يتم التعويل عليه، دون إعالة مِن القلوب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد