عانت التلفزة المغربية المحلية والعديد من نظيراتها العربية خلال السنوات الأخيرة، من طغيان طابع الهزل بنسب لا يستهان بها، أمام ما كان يتخللها من برامج جدية بطبعها واخرى ترفيهية وتثقيفية في الآن ذاته، مع القليل من الفراغ الإعلامي. كما أن العديد من المتتبعين الذين كانت لهم مواقيت خاصة مع مجموعة من البرامج التلفزية، قد أخلفوا مواعيدهم بـمَلكهم لما اكتنف مختاراتهم البرامجية من اوزار التقهقر في درج التفاهة. وأمام متاهات عوالم التكنولوجية التي بدورها زادت من رقعة الهوة الفاصلة بين التلفاز والمشاهد، فإن هذا الأخير قد وجد في الشبكة العنكبوتية المجسدة وسائليًا في الهواتف والحواسيب ملاذه الأمن برامجيًا.

رغم هذا الهجران الذي ألم بالذات الإعلامية في وطننا العربي عامة والمغربي على وجه الخصوص، إلا أن هناك بعض الاستثناءات الخاصة كالجلسات العائلية والأسرية بنفحاتها الهوياتية خلال بعض الأيام الوطنية والدينية، التي دائمًا ما كانت ترغمنا بجوها الثقافي على ضرورة الرجوع إلى القنوات المحلية، وخلق نوع من المصالحة حتى تكتمل بحضورها صورة الجلسة الأسرية، سواء المغربية أو العربية. إلا أن مشكلة هذه المصالحة أنها لا تدوم إلا زمن هذه الأيام المقدسة ثقافيًا، فلطالما خاب الظن مرات ومرات.

في مقابل هذه الخصوصيات التي دائمًا ما حاولنا قدر الإمكان الإبقاء والمحافظة عليها كتراث لا مادي، كانت برامجنا وفي مجملها تجعلنا محط امتعاض وتحسب وترقب لما قد يصدر منها ولا يراعي حرمة جلستنا هذه. وكأن أصحابها أرادوا في لحظة من الزمن استباق تأخرنا الاقتصادي والسياسي وحتى الفكري.. والقفزة بنا إلى ما هي عليه الخصوصيات الثقافية لبعض الحضارات الأخرى، وكأن هذه القفزة التي يحاول أن يقودها بعض المحسوبين على الإعلام بوطننا، ستكون بمثابة المحرر والموقظ لسباتنا الذي طالت ليلته.

بالنسبة لي ولمجموعة عريضة ممن هم على شاكلتي وفي ارتباطنا بهذا النوع من البرامج المحلية، فلطالما كان موقفنا هو حصر مجهوداتها في خانة الردة الإعلامية التي نخرت جسدنا الفكري ككل خلال السنوات الأخيرة، ودائمًا ما كنت أظن أن مجمل ما تقدمه من حلقات إنما هي عبارة عن أكوام من التفاهة. بداية من مقدمي هذه البرامج وموضوعاتها وحتى جلسائها، وصولًا إلى من يسهرون على إخراجها وإنجاحها.. خصوصًا أن هذا النوع من البرامج الذي غلفته مفاهيم السخرية، الاستهزاء، الانحطاط الأخلاقي، والعهر الثقافي.. قد أضحى الأكثر سيطرة على واقعنا الإعلامي.

لكنني اليوم وأنا أتابع أحد القنوات المحلية وجدت أن الحكم الذي كنت ألصقه بالعديد من برامجها، إنما كان متسرعًا بعض الشيء، بل ظالما في حق مجهوداتها التي تبذل في هذا الجانب. حيث وجدت وللأسف أن بعض القنوات المحلية عبر هذه المجاري البرامجية، قد كانت أعمق وأدق في تفاهتها من التفاهة التي كنت أظن نفسي أني اعرفها وأعرف بعض خباياها.

فالميزانيات والأموال الطائلة التي صرفت والتي لا تزال تصرف من أجل إنجاحها، والإكراميات الباذخة التي يسترزق منها أبطالها، لم تكن يومًا اعتباطية أو حتى عشوائية. بل كانت في حد ذاتها عبارة عن ميزانيات رسمية تصرف بشكل واع، بغرض صناعة نمط موحد للتفكير التافه. وذلك من منطلق قاعدة أن العوام من القوم، إنما قوام إخضاعهم يقتضي بالضرورة إهدار الكثير من المال على هذه (المجاري)، التي لو استوقفنا فيها التمعن والتدبر للحظة لوجدناها بدون هدف (غير هدف صناعة التفكير التافه الموحد)، بل بدون محتوى.

كل هذا وأكثر حتى يكون فن الاحتواء والإخضاع سهلًا ويكون التوجيه حيث ما أُريدَ له سلسا، الأمر الذي تحسسناه حقيقة على أرض واقع حال فئة لا بأس بها من ناشئتنا اليوم، فأشكالهم الخارجية التي أصبحوا عليها تخفي وراءها أثر الواقع الإعلامي المحلي؛ ما جعلنا لا نستغرب المنازل التي أصبحنا نصنف من خلالها في تراتبية البلدان الأكثر تأخرًا في مجموعة من مفاهيم التنمية البشرية، لعل أهمها المستوى التعليمي.

هنا وفي السياق ذاته يمكننا بعض الشيء توسيع دائرة مفهوم التفاهة الإعلامية، من خلال القول أن غالبية البلدان النامية التي لا استعداد لها لتبني مفاهيم الإصلاح الحقيقي ومحاولات التغيير والإقلاع الاقتصادي. إنما وجدت في التفاهة والتفاهة الإعلامية خصوصًا غايتها وضالتها، إذ بموجبها استطاعت ان تغير مفهوم القدوة من أقصى مستويات الرقي الفكري إلى أدنى منازله، كما استطاعت من خلال التحكم في مفهوم التفاهة الاعلامية وفي آلياتها، وكذا التسويق لها بشكل سهل في قالب قابل الاستهلاك من قبل الرأي العام، أن تنجح إلى حد كبير في خلق جو من التفكير المجتمعي الذي يغلب عليه واقع التفاهة بجميع أشكالها. ليكون نجاح هذا الفعل بمثابة ضمان لاستمرار الوضع الراهن كما هو عليه من جهة، وكذا خدمة فئات مجتمعية معينة لفترات زمنية مستقبلية أطول من جهة ثانية.

فعمق التفاهة لحظة تدبرها تغرقك في حواملها المعرفية العديدة، لتزلقك فيما بعد داخل متاهات المكر السياسي ووهم الثقافة والتصنع المجتمعي وحتى السذاجة التعبدية.. هذه الزركشة المفاهيمية التي باتحادها وتظافر غاياتها، تبسط لك أحد مظاهر أنواع السيطرة العليا الموجهة صوب أفئدة العوام.

كما أن قوة هذا المفهوم من منظور صُناعه، لا تستقيم له القائمة إلا من خلال عملية تبسيط الأشياء إلى أقصى مستويات التفكير المتدني، وذلك بالاعتماد على طرق وسبل المرحلة في إيصال الأفكار، مسخرين لأجل ذلك مجموعة من الطقوس والشعائر الإعلامية التي من المفروض أن تستثمر في صناعة المعارف التنويرية لا (التكليخية). حيث وجدنا العديد من هذه المجاري البرامجية تخدم غاياتها من خلال فتح نقاشات وخلق مواضيع في مجملها لا تغذو أن تكون مجرد تقيحات مجتمعية، أبطال في غالبيتهم حفنة من المحسوبين على الفن أو ما جانب ذلك، قدموا بطرائق إعلامية جد احترافية جعلتهم يتربعون على عرش زيف الثقافة المحلية، في تهميش سافر لأسياد المبادئ الاعلامية الذين لم نعد نجد لهم أمكنة في معامل التفاهة.

وعليه لا يمكننا في ظل هذه الردة الإعلامية إلا أن نرثي حالنا الذي سرنا إليه، وأن نخلص لشيء واحد يقيني هو جوهر وغاية واقع التفاهة، ألا وهو صناعة جو من التفكير الذي يهتم بشكليات الأمور بعيدًا عن مضامينها، وكدا خلق جو يغلب عليه واقع الهزل وتغيب عنه مفاهيم الجدية، التي وبشكل مباشر ستغيب معها علامات الاستفهام التي قد تطرح لمناقشة طرائق استثمار العديد من القطاعات الحية في أوطاننا النامية، والتي قد تكون إجاباتها أحد سبل كسر قيود التخلف عن ركب الحضارة العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد