انتهت سلسلة حلقات «ممالك النار»، والذي حمل في طياته أحداث الصراع بين دولة المماليك والعثمانيين، في البداية أود أن أشير إلى أني لست هنا بصدد مناقشة الأحداث إن كانت حقيقية أم أنها تلفيق، فلست أقف في صف اللاعنين لدولة العثمانيين، طالما أني لم أكن يومًا قارئًا جيدًا للتاريخ العثماني فأحكم عليه، والأتراك أجدر بالدفاع عن أجدادهم، وفي المقابل لا أقف مع من رفضوا الأحداث جملة وتفصيلًا؛ فالمنطق السليم لا يتقبل فكرة حدوث حرب انتهت بالسيطرة على مصر دون انتهاكات في حق المدنيين.

غير أن ما يهمنا هو مقاربة الصورة التي ظهر فيها العمل – اتفقنا أم اختلفنا على ما جاء في العمل- مع واقع الحكم الذي يدار من خلال حاكم متعطش للدماء والسلطة، فالأمير الفتيّ دائمًا ما يتملكه الطموح، وغالبًا ما يصطدم مع والده أو سلطانه الذي ولاه قطعة على هذه البسيطة لا يراها الأمير كافية لتلبية رؤيته بفرض سطوته وفرض حكمه فيصرخ «لا مكان للضعف في قصري!».

يترافق مع هذه الحالة قُربُ الأمير من وزير لا يرى لنفسه طموح الحكم، غير أنه يرى في حكم سيده مجدًا لدولته، هنا نجد أميرًا كالسيف في صرامته، ووزيرًا كالثعلب في دهائه، ودماء جنودٍ هي الحبر الذي يكتب به الأمير أمجاده في كتاب التاريخ.

لا شك أن الصراع الأبدي سيظل يفرز صدامًا بين الحضارات، أو لنقل صراعًا بين الثقافات، فلكل شعب ثقافة خاصة ستطغى على حسابات أميره.

يجب الوقوف على نقطة في غاية الأهمية، وهي دور الدين في تحديد الصراع على العرش والثروة، فالثقافات المتعددة تمتزج معًا وتتآلف وتجلس ساكنة تحت مظلة الدين، مجسدةً أسمى صور العدل والتسامح واحترام حرية الآخرين وحقوقهم، وفي حين يرى العامة أن هذه الهالة التي تحيط بهم هي أسمى مطالبهم، غير أن هدف الأمير يلامس طائفته وثقافته فنراه يُسخِرُ إمكانيات دولته وقوة جيشه لفرضها على خصومه، وما إن يستقر له حكمه حتى يرفع الشعار الجامع الذي يحدد صياغته ثقافة الشعب ليكسب ولاء الناس له، الشعار هنا قد يكون الدين كونه الطاغي على حياة شعوب الشرق، وقد يكون ضمانًا للحفاظ على تاريخ أو عقيدة، أو حتى مكان له قيمة، كما هو الحال لدى شعوب الأمريكتين، أو شعوب أفريقيا السمراء.

في المحصلة لا بد من الإجماع على أن الصدام واقع لا محالة، سواء على مستوى حضارات قائمة بتاريخها أو صراع ثقافات تكون ضمن الحضارة الواحدة، كالحضارة الإسلامية، أو داخل الحضارة الرومانية، والتي تشكلها شعوب القارة الأوروبية.

وهنا نشير إلى الصراع الذي نشب في المنطقة العربية، كونها أغنى المناطق في التكوين العرقي والثقافي، وحتى الديني، فهو صراع قائم على تجييش مشاعر الأتباع لتحقيق رؤية القيادة، والمفارقة أن القيادة القديمة كانت منظمة، وأن التجييش كان في إطار الدولة لخدمة القضية القومية أو الرؤية الوحدوية تحت ظل الراية الدينية، مما ينتج منه إقامة دولة تحتوي الجميع، مع بقاء الامتيازات لصاحب النصر، أما ما نراه اليوم فهو تجييش أعمى من قيادات لا يُعرف مرجعيتها وولاؤها، وإنما تؤطر أفكارها بحسب ما تقتديه مصالحها؛ فنرى التشكيلات خارج إطار الدولة على شاكلة تنظيمات إرهابية أو جماعات فكرية شاذة عن الفطرة والثقافة أو حتى ترفض قبول أن تكون في إطار دولة ذات أغلبية قومية أو دينية، بل تريد دولة تصيغ قوانينها ودينها بنفسها؛ مما ينجم عنه بطبيعة الحال الاقتتال الدامي، والغرق في مستنقع من الدماء.

أيًّا كان شكل الدولة الذي سينتج، فطالما أن استغلال الدين وطلب السلطة هو الهدف الأول؛ فهذه الرغبة والطموح ستبني إمبراطورية، ولكنها ستكون محكومة بقانون دموي سيقض مضاجع هذه الدولة ويهز أركانها من الداخل، وينذر بزوالها، سيكون لعنة عليها، وستبدأ بالمرض وصولًا إلى النعش الذي به سيطوي التاريخ صفحة إمبراطورية حَكَمَتْ بالحديد والنار.

أخيرًا نرى أن الصراع السياسي الذي تشهده المنطقة طغى على أحداث العمل، في حين ومن جانب آخر شكل عودة لروح الأعمال العربية التاريخية التي افتقدناها منذ رحيل الأستاذ مصطفى العقاد – رحمه الله- والأعمال العربية خاصة الإبداعات السورية، غير أن البكاء على اللبن المسكوب لن يأتي بنتيجة، بل إن البناء فوق هذه اللبنة سيبث الروح القومية والدينية في الشباب العربي الذي أصبح فارغًا من معاني الثقافة وروح التاريخ، وملأهُ حب الأفلام «الخليعة»، أبطالها راقصة تعيل أسرتها، وتاجر مخدرات يساعد الفقراء!

ما من شك في أن السينما أصبحت تشكل القوة الناعمة للدول التي تساهم في تعريف باقي الأمم على تاريخ البلد الأصلي وثقافته، ودولنا العربية لديها الإمكانيات الضخمة والأشخاص الأكفاء لمقارعة أباطرة الإعلام والشاشات العالمية، غير أننا نحتاج لوقفة تجنبنا الخلاف على ما دُوِّنَ في كتب التاريخ بعيدًا عن التكذيب والتخوين، من خلال تعاون بين المعنيين والمؤرخين المشهود لهم لرسم صورة موثوقة عن تاريخ الأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد