لشغفي بالكُتب حدًا لا أستطيع وصفه، ولعلمي بأن الكتب عوالم تأسرنا بداخلها وتلتهمنا؛ فستكون هذه سلسلة مقالات عن تلك الكتب الملهمة والمحفزة والمبدعة التي أسرتني حتى لم أستطع منها فكاكًا، قد يكون نصًا شعريًا، رواية أو مجموعة قصصية، كتابًا في الفكر أو الفلسفة أو التاريخ، أيًا ما كان هذا الكتاب أو موضوعه، ستكون تلك محاولة منَّي لممارسة ما أحبه من كلامٍ عما أقرأه متمنيًا أن يجد الآخر ما أجده من لذة معرفية، ومحاولة توجيه عموم الناس إلى أكثر الكتب إمتاعًا وحثهم على التنقيب والبحث وطرح السؤال، ولعدم معرفتي بما ستنتهي إليه هذه المقالات أو كم سيكون عددها فقد تركت العدد الآخر مفتوحًا، قد تكون مقالات متتالية، وقد تكون فواصل بينها وبين مقالاتٍ أخرى، الله أعلم!

(1)

أن تُلخص كتابًا أو رواية أو تقوم بتوجيه نظرة نقدية لمادة مقروءة في مقالة ليس بالأمر السهل؛ يا مُعين!

(2)

عبر 558 ورقة من القطع المتوسط يأخذنا الأستاذ/ محمد موافي – (الإعلامي بقطاع الأخبار بالتليفزيون المصري) –
في روايته الممتعة (سفر الشتات) إلى رحلة يرصد فيها صعود الجماعات الإسلامية ورحلتهم لتطبيق ما يسمى الدول الإسلامية وكيفية تبريرهم للقتل، كيف يتم صناعة التطرف وكيف يتم تمرير الأفكار الشاذة، وذلك من خلال عدة فصول اتفق الكاتب أن يُسميها سفرًا تبدأ من توضيح الطبيب لسير الحكايا عبر الرواية وتنتقل بطريقة تصاعدية إلى ذروة الأحداث.

(3)

أشخاص الرواية ليسوا بالكثرة التي تجعل القارئ في حالة شتات كما سميت الرواية إلا أنها تلعب على مستويين للقراءة أو مرور الأحداث، جماعات الإسلام السياسي وشتاتها في أرض الله الواسعة، خصوصًا في مصر وأفغانستان والسودان، وما تدور داخلها من أسرار وأفكار للسيطرة على نظم الحكم التي يعتبرونها جاهلية كافرة لا سبيل لحلها إلا بهدم أنظمتها كليةً لبناء أخرى مكانها، وعلى المستوى الآخر (مبنى لاظوغلي العتيق) وكيفية الاستجواب داخله عن طريق الضابط معتز الذي أحببته على الرغم من تناقضاته وجبروته المفرط لأنه متسق ذاتيًا مع نفسه في أسباب التعذيب وطرقه والحصول على الاعترافات بأقذر الطرق وأعنفها؛ حيث إنه يقوم في نهاية اليوم بالصلاة والتوجه إلى الله خاشعًا بلا أي ذنب أو تأنيب للضمير بما جنته يداه في عمله المُرعب، والسبب الواضح في الرواية هو قيام السلطة الدينية ممثلة في مفتي الديار الذي يقوم بزيارة مباركة إلى أمن الدولة ليحث الضباط ويرفع من همتَّهم فيما يفعلونه موكدًا أنهم في رباطٍ إلي يوم القيامة، وأن الجماعات الإسلامية ما هم إلا خوارج مباح فيهم أي شيء.

(4)

الرواية تنقسم إلي عدة فصول وهي (توضيح الطبيب – سفر الآخر – سفر الحُبَّ – سفر الخوف – سفر الفراق – سفر شتات – الكويت «سنة ثالثة حكاية»– سفر الآلآم – سفر تكوين – سفر البنين – مزمار شتات ) ويحاول الكاتب توضيح ما أنت مقبل عليه خلال القراءة حيث يبدأ الفصل ببيت من الشعر العربي يلخص فيه موضوع الفصل ثم عدة تعريفات نسجها الكاتب بحنكةٍ ومتعة لعله قصد بها أن يرح أعصابنا بين الفينة والأخرى، ثم تبدأ عملية السرد مرةٍ ثانية، والجميل في الرواية هو أنها لا تعتمد على الحكي المتواصل الذي يجعل قارئ الرواية في حالة شتات أو ملل بل إنها ترتكز على المقاطع الصغيرة التي لا تزيد في أغلب أجزاء الرواية عن خمس صفحات وتنتقل إلى حكاية أخرى.

(5)

هذه الرواية تقرأ على مهل كما كان محمود درويش يشرب قهوته على مهل وبدون استعجال، هذه رواية حبسُ الأنفاس وشتات النفس في أودية مختلفة، هذه رواية الآلام والمعاناة والشطحات، هذه رواية اللغة فيها هي دفَّة المركب ومُحرك الأحداث، هذه رواية المشاعر والأفكار المُجردة التي تصير أكثر إنسانيةً، هذه رواية تقرأ في السرَّ خشية أن تلقى مصير أبطالها في أحضان المعتقلات التي نجح الكاتب ببراعة أن يجعلني أخاف مما داخلها وهو السبب الذي جعلني أسرع لإخفاء الرواية في حقيبة إحدى الصديقات أثناء مرورنا صدفة في محيط (ميدان لاظوغلي) خوفـًا من أن تنالني يدُ أحدهم وتلقي بي في شتات وغياب لا أعلم هل أحضر منه مرة أخري أم لا.

(6)

من الرواية (البلايا ليست لامتحان ذاتك، بل لاختبار كم أنت بحاجة إلى السماء – صار الخوف بلادي ونحن حظائره العشوائية – الحُب طاغوت؛ يحكمُ فينا بما يرى ولو رأينا وجوب عصيانه نموت – انتظار المحبوب محبوب – في حماس الضعف يستأنس الضعفاء الصغار بسيرة الضعفاء الأولين – لا فرق بين لحم يهودي يحترق ولحم مسلم تكشطه الكهرباء في ليلة تعذيب – من سار على الدرب وجبت عليه مراجعة الدرب بين حين وآخر، الأغبياء يُصرون على المشي على طريق واحدة دون السؤال مرة عن علاقة السكة المسلوكة بالعنوان المقصود – أنا أتألم إذن أنا بشر في دنيا البشر.

أنا أنسى الألم فأنا إذن بشر في دنيا الله – الوطن تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها الطغاة وتساوي لدينا كثيرًا ..) .

( 7 )

صدرت الطبعة الأولى من الرواية في مطلع العام الحالي عن دار صفصافة للنشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كُتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد