بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 بحث «ديفيد بن جوريون» في كل سجلات الدولة اليهودية عن أي شيء يمكن أن يستدل به على شخصية قادة تلك الثورة ومعرفة نواياهم الحقيقية تجاه إسرائيل والمستقبل معها، وفي نفس الوقت سعى لمقابلة كل الشخصيات الدولية التي أتيحت له أو لقاء أولئك الضباط الشبان،لنفس الهدف ونفس الغرض.

ولقد حدث أن نقل أحدهم له بعض أفكار القيادة المصرية الجديدة وما تخطط له من أجل المستقبل، وملخصه أنه تركز تركيزًا شديدًا على الداخل المصري ولا يشغلها أمر إسرائيل لأنه موضوع مؤجل، ولقد تصور ناقل الرسالة أن معناها سوف يكون عامل سعادة وطمأنينة لإسرائيل ولـ«بن جوريون»،لكنه فوجئ بالحزن والغم الذي اعترى وجه رئيس وزراء إسرائيل وسمعه يغمم بأن ذاك «أسوأ خبر يسمعه في حياته على الإطلاق»!

كان «بن جوريون» يتمنى لو أنه يستطيع عقد معاهدة أو اتفاق سلام مع القيادة المصرية الجديدة ليحقق لإسرائيل أمنها كما حقق لها وجودها، ولم ييأس أو يتراجع طيلة أربع سنوات كاملة في محاولة إيجاد أي صلة أو قنوات اتصال مع النظام المصري.

لكن ذلك النظام لم يكن لديه الوقت الكافي ولا الرغبة الحقيقية في التواصل مع الدولة اليهودية،لسببين،الأول (كما سبق ذكره): هو الرغبة في تنمية الداخل المصري وتقوية ركائزه،لخلق مجتمع قوي، والثاني: هو أن معظم قادة حركة الجيش كانوا قد شاركوا في حرب فلسطين عام 1948، وبالتالي فإنهم تعرفوا على حقيقة المشروع الصهيوني وأهدافه بعيدة المدى، ولذلك لن يكن مقبولًا منهم أن يدخلوا في مفاوضات أو حتى اتصالات مع الحكومة الإسرائيلية ولو كان حتى من باب استكشاف النوايا.

وكما هو معروف فإن الأمور لم تجر كما أرادت القيادة المصرية، لأن أوضاع الإقليم والعالم فرضت نفسها عليهم، وبالتالي لم يكن هناك مفر من الاشتباك والتشابك مع إسرائيل، وأيضًا لم تجر الأمور كما أراد لها «بن جوريون» حيث وجد نفسه مجرورًا للحرب بدلا من السلام الذي كان يريده.

ولم يكن «جمال عبدالناصر» داعية حرب أو حتى داعية سلام مع إسرائيل،بل كان زعيمًا قوميًا عروبيًا يؤمن بوحدة المستقبل العربي تحت أي شكل من أشكال الوحدة بين الكيانات والدول العربية.

وبتجربة مشاركته في حرب 48 (رئيسا لأركان حرب الكتيبة السادسة مشاة) أو بتجربة الدراسة والتدريس في كلية أركان الحرب (مادة التاريخ العسكري) كان يدرك أنه لا بديل عن الاتصال الجغرافي بين مشرق العالم العربي وغربه،وحتى من وجهة نظر الأمن القومي المصري (بعيدًا عن العرب) فإن الخط الأول له هو خط غزة/بير سبع، وهو نفس الخط الذي اعتمده الجنرال الإنجليزي «إدموند اللنبي» في الدفاع عن قناة السويس وقت الحرب العالمية الأولى.

ومن كل ذلك كان «عبدالناصر» لا يطلب من إسرائيل (أو الوسطاء الأوروبيين والأمريكان) سوى قبولها بقرار الأمم المتحدة 181 الخاص بتقسيم أرض فلسطين التاريخية (49 ٪ للعرب،و51% لليهود) بما في ذلك التعديلات التي أقرتها خطة الوسيط الدولى «فوللك برنادوت» وفيها ضم منطقة النقب للدولة العربية المقترحة.

وكان يرى أن ذلك لو تحقق فإنه يعتبر خطوة على طريق طويل في المواجهة مع الدولة العبرية،لأنه كان مقتنعًا بأنه لا يمكن هزيمتها في مواجهة عسكرية مرة واحدة.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلى «ديفيد بن جوريون» يتمنى لو أنه يستطيع إقناع الفرعون المصري (كما كان يسمي عبدالناصر) بتوقيع معاهدة سلام دائم يحقق لدولته الأمن والسلام كما حقق وأثبت وجودها الفعلي على أرض الواقع.

ولما عرف بمطلب «عبدالناصر» الوحيد ذاك فكر كثيرًا وطويلًا ثم خرج باقتراح «مثير» وهو إنشاء جسر معلق (كوبرى) يبدأ من طابا المصرية وينتهي في العقبة الأردنية مارا بالنقب الإسرائيلية مع إمكانية وضع حراسة (شرطة مدنية مصرية أعلى ذلك الجسر) وبذلك يتحقق للعرب – في رأيه – الاتصال البري،ولا تعد لـ«ناصر» حجة في رفض السلام.

عندما نقل الوسطاء ذلك الاقتراح للرئيس المصري لم يتمالك نفسه من الضحك وكان رده: «ياسلام.. لنفترض أن العرب قبلوا الاقتراح، فماذا سيحدث لو قام أحد الجنود المصريين بتلبية نداء الطبيعة (التبول) من أعلى الكوبرى وتساقطت قطرات من الماء على الإسرائيليين العابرين في الأسفل فهل ستقوم الحرب لهذا السبب؟».

ولم يصمد ذلك الاقتراح لأي مناقشة جدية، ولم يكن مقدرًا لأي مصري أو عربي أن «يتبول» على اليهود.. للأسف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد