المستقبل ليس حلمًا، ولا وهمًا، ولا بأمر محال، هو فقط عمل متواصل، تفاؤل وحسن ظن بالله سبحانه وتعالى، وصبر بغير استعجال. وعليه فإنه من الصدق، الأمانة، والمسؤولية، الإنصات قبل التكلم، والتفكر والفهم قبل الكتابة، والتفكير بعمق قبل التصرف. وكذلك الكَسب قبل الإنفاق. لأن الحياة في الحقيقة الدقيقة، أسهل بكثير مما تبدو عليه، وكذلك نعتقد أنها أقصر من أن تفنى في تنمية الفشل، وتسجيل الأخطاء المميتة، القاتلة للأحلام. نعم؛ إذ من الممكن جدًّا أن يصبح هذا الحلم حقيقة واقعة وجسر متين إلى المستقبل، والعكس صحيح؛ إذ مِن الممكن كذلك أن تصبح جميع الحقائق، سراب ومجرد حلم صعب المنال.

لهذا عندما نكون بصدد التفكير في بَدأ عملية تغيير شاملة، من الضروري جدًّا القيَّام برسم الهدف بدقة، وتحديد معالمه بوضوح منذ البداية، مع الاستعداد النفسي والذهني الكامل للتكيُّف مع سلسلة طويلة وعريضة من المتطلبات. ففي علوم البرمجة اللغوية العصبية نبدأ دائمًا من النقطة (أ)، أي الحالة الحالية. ومن خلال سلسلة من الإستراتيجيات يجب أن نصل بأمان إلى النقطة (ب)، أي الحالة المرغوبة، وذلك بعد التحديد الجيِّد والمُسبق لحيثياتها، وكذلك الكيفية التي يمكن أن تكون عليها؛ لأنها تعتبر المكان الوحيد الذي نريد الذهاب إليه. فلرسم هدف جيد الصِيَّاغة يجب علينا قبل كل شيء التأكد من أنه يفي بالخصائص التالية:

أولًا يجب أن تكون واضحة، محددة ودقيقة جيدًا، أي عند إنشاء الهدف، يجب أن نلعب بأكبر عدد ممكن من الحواس، قصد تحديد هُوِيَّة جميع المعلومات التي ستُنقل إلينا، هذا؛ إذا كنا في الحالة المرغوبة. بهذه الطريقة سيكون لدينا شعور شبه حقيقي بوجودنا، وكذلك بأننا حققنا ذلك. لكن من الضروري جدًّا تكرار المحاولة، والعمل على الإجابة بأكبر جرعة ممكنة من الأحداث والوقائع الواقعة، أو حتى تلك التي نتخيل بإيمان كبير وقوعها، دون التوقف عن الطلب والرجاء مِن الخالق سبحانه وتعالى تحقيقها. لكن تجدنا مِرارًا وتِكرارًا في شوق وذهول نسأل أنفسنا، ماذا سنرى أو بماذا سنشعر عند تحقيق ذلك؟ كيف نعرف فعلًا أننا حققنا ما نريد؟ وبمجرد أن نحقق هدفنا في الواقع، يمكننا فِعلِيًّا مقارنة كل الأحاسيس الواقعة مع الأحاسيس المتخيلة، وبالتالي يكون لدينا اليقين في تحقيقها. كما يجب أن تكون مجموعة هذه الأهداف قابلة للتحقيق، أي يجب أن تتناسب مع إمكاناتنا الحقيقية في الواقع المعاش. إذ لا يوجد هدف مستحيل، ولكن إذا كان طموحًا للغاية، فقد يستطيع توليد لدينا شعور غير سار أبدًا، مفاده أننا لن نحققه أبدًا.

الآن هناك أشخاص ليسوا واضحين بشأن الغاية التي يريدون تحقيقها؛ فهم يعرفون حق المعرفة، أنهم يريدون التغيير، لكنهم لا يعرفون بالضبط ما يريدون تغييره. ولمساعدتهم على تحديد هدفهم، يمكن أن يكون السؤال التوضيحي التقليدي المعروف الذي يقول: إذا كان لديك عام واحد فقط للعيش، فما هي الأشياء التي ستقوم فورًا بتغيرها؟ وما الأشياء الأخرى التي ستتركها كما هي؟ وما هي التي يمكنك تعديلها، وكذلك ما الذي ستضعه أيضًا في مكانه؟

ثانيًا يجب تحديد الهدف بالإيجاب، أي يجب ألَّا يتضمن النفي. كما يجب أن نوضح إلى أين نريد الذهاب، أو ما الذي نريد تحقيقه، مع الالتزام بالوضوح عند ذكره، والتقيُّد بالحركة والإيجاب، والإشارة بثقة إلى الاتجاه الواجب علينا اتخاذه. لا ينبغي أبدًا تعريف الهدف على أنه عديم الخجل، لأنه سيركز تفكيرنا على ما نريد الخروج منه، وليس ذلك الذي نطمح الدخول إليه. ثالثًا لا ينبغي أبدًا تضمين مصطلح المقارنة عند التحديد، لأنه سيجعل تعريفه سيئًا للغاية. فعلى سبيل المثال إذا اقترحنا كسب المزيد من المال، وهو في الحقيقة مثال نركز عليه كثيرًا، نظرًا لواقعيته. الآن لتحقيق هذا الهدف يتعيَّن علينا تعديله، من خلال طرح سؤال آخر وجيه: أموال أكثر ممَن؟ أو ما مقدار المال الذي يجب كسبه؟ أو إذا أردنا على سبيل المثال الحصول على مهارات اتصال أفضل، يجب أن نسأل: أفضل ممَن؟ أو في أي جانب نرغب تحسين هذا الاتصال؟ رابعًا يجب أن يصاغ في المضارع؛ لأنه يسهل عملية الاقتناع الفكري المعقد بالتحقيق، رفعه في زمن المستقبل يجعل النَّظر إليه على أنه بعيد المنال، صعب الوصول. خامسًا يلزم تضمين جوانب عاطفية حساسة، حيث إن مجرد الإثارة والبيان بطريقة عقلانية فقط لا يحفز كثيرًا على المعالجة. إذ من المهم جدًّا القيَّام بتضمين عاطفة ممتعة؛ لأنها تصبح محفزة لاحقًا، وستذهب عقولنا غريزيًا في الاتجاه الصحيح المحدد. على سبيل المثال أريد أن أكون هادئًا في وظيفتي الجديدة، أو أريد الشعور بالهدوء مع ثنايا هذا القرار.

سادسًا عند تحديد هدف ما، يجب أن نبحث عن بعض العناصر التي ستتيح لنا عند تحقيقه، الوقوف على دلائل ملموسة تثبت حدوثه على أرض الواقع، أي يجب الإجابة على الأسئلة المُلحَّة المرتبطة بالتنزيل والإدراك المُمَيَّز المصاحب للحدث الحاصل، وكذلك ما هي الأمور التي ستتغير في دواخلنا عند الإنجاز؟ وكيف سنبدو أو كيف سنتصرف لحظة تحقيق المراد؟ هل ستتولَّد لدينا وقتها مشاعر خاصة؟ سابعًا مِن الضروري جدًّا خلق تناسب وتطابق سلس بين الأهداف وإمكاناتنا الحقيقية. إذ لا يوجد هدف مستحيل، ولكن إذا كان هذا الأخير مبالغ فيه، وطموحًا للغاية، فقد يكون لدينا شعور غير سار بأننا لن نحققه أبدًا. لهذا السبب من الأفضل تقسيمها إلى أقسام صغيرة، يسهل الوصول إليها، بحيث يكون من دواعي سرورنا تحقيق نجاحات جزئية، تعمل على تقربنا من شيئًا فشيئًا مِن الهدف.

ثامنًا يجب أن يعتمد الهدف الذي نضعه لأنفسنا علينا تمامًا، أي أننا لا نستطيع أن نقترح أن مديري أكثر تفهمًا، أو أن شريكي أكثر حبًا، لأن هذا خارج إمكانياتنا للتغيير، ولكن يمكننا اقتراح أنفسنا؛ أي أعرض حججي بوضوح وباستمرار لرئيسي في العمل، أو أبحث عن الأشياء التي يحبها شريكي لإظهار عطفي وحبي وامتناني. بالإضافة إلى ذلك لكي يكون الهدف صحيح، يجب أن يكون لدينا مواردنا الخاصة فقط لتحقيقه، أي يجب ألا نفكر ولا نعتمد على موارد شخصية، خارج سيطرتنا، أو مالية أو اقتصادية ليست في مِلكيَّتنا. إذ على الرغم من أنه يمكننا التفكير باستمرار في إعادة استخدام الموارد الموجودة بداخلنا؛ لأننا امتلكنا منها ما يكفي، في وقت آخر من الحياة، أو موارد جديدة يمكننا نمذجتها من شخص آخر يمتلكها، والتي يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة بالنسبة لنا في تحقيق الهدف المقترح. تاسعًا وبمجرد أن نحدد الهدف المنسجم في جميع مراحله مع المباني المذكورة أعلاه، يجب أن نجري فحصًا بيئيًا، بمعنى أدق؛ نسأل أنفسنا ما إذا كان تحقيق ما نقترحه سيؤدي حقًا إلى تحقيق فائدة، أو ما إذا كان سيشكل صراعًا أكبر، أو ما إذا كانت العواقب التي قد تنجم عن ذلك بمجرد فعل ذلك، وهذا يعني أنهم مقبولون شخصيًا بالنسبة لي أو لبيئتي. إذ في حالة عدم قبول العواقب؛ نظرًا لأنها كانت تتعارض مع معتقداتنا أو قِيَّمنا. أو إذا كان تحقيقها يستلزم صراعًا داخليًا وخارجيًا أكبر. عندها سنعمل دون وعي على تخريب مُسَبِّبات تحقيق الهدف. ولإجراء هذا الفحص يتوجب علينا مواجهة ذواتنا بالأسئلة التالية: أولها؛ ما هي العواقب التي يمكن أن تحدثها هذه التغييرات على حياتنا وبيئتنا؟ ثم هل نحن على استعداد كامل لتحمل هذه العواقب؟ وأخيرًا هل يجب أن نفكر في إجراء أي تغييرات على هذه الأهداف، حتى تكون العواقب التي قد تظهر مقبولة أكثر بالنسبة لنا؟

عاشرًا وبمجرد اتخاذ جميع الخطوات السابقة، يجب أن نكتب، نرسم، أو ندرج صورًا للهدف المراد تحقيقه قدر المستطاع، مع العمل على وضعه في مكان مرئي بوضوح، حتى نأخذ في اعتبارنا وفي جميع الأوقات الوجهة الصحيحة. تشمل هذه النقطة الأخيرة على كل ما سبق وهي مهمة للغاية؛ لأنها تجعل عقلنا اللاواعي يخلق الارتباطات والجسور العصبية التي تقودنا نحو تحقيق الهدف.

وأخيرًا الوعي التام بالفرضية الأخيرة التي يجب الالتزام بها، وهي الوصول والحصول على موعد نهائي لتحقيق ذلك: من المهم تحديد تاريخ محدد، أو فترة زمنية معينة، كحد أقصى لتحقيق ما نريد، مع التركيز المستمر على فصول تخيل الشعور المصاحب للحظة المرغوبة، في ذلك التاريخ. والإقدام على إنشاء اتصال بين الحاضر والمستقبل قوي بما يكفي لتخيل تطبيق التغييرات المدمجة في الحاضر والمستقبل على حد سواء. وهو ما نسميه جسر إلى المستقبل؛ إذ يسعى على وجه التحديد إلى تعزيز استمرارية هذه التغييرات في المستقبل. لتتبع ذلك يجب أن نجد إحساسًا جسديًا يعكس استمرار هذا التعلم. على سبيل المثال طريقة التنفس والمشي والحركة وهكذا. إذ يتعلق الأمر بتخيل لحظة معينة بعد وقت معين سيميزها الشخص نفسه، في أنه قد حقق بالفعل مجموعة الأهداف، وخلق في ذهنه صورًا واضحة قدر الإمكان تحوم حول كيفية التصرف حال تحقيقه. إن الأحاسيس التي سيوفرها لنا التواجد في هذا الموقف حساسة للغاية، فكلما زاد عدد الحواس، زادت حدة الأحاسيس المُسجَّلة، وبالتالي سيكون من الأسهل توجيه النفس نحوها دون وعي.

من أحب تصفية الأجواء، فليجتهد في تصفية الجسور التي تُكسب أشخاصًا لا يجيدون التفنن في إيجاد الأعذار، بل يواجهون الحاضر، والمستقبل، بالاجتهاد، والصبر، ولا يتلاعبون بأقنعة الكسل والخمول والفشل، حتى وإن غابت عن أعينهم الجسور فجأة، لكن لا تغيب عن قلوبهم أبدًا. لأن غياب الرؤية المستقبلية، كالطَّرْقُ الفِعْلِي لمسمار الضياع فى الطموح والجموح، وإيجاد ما تَيَسَّرَ مِن الأعذار، كنزع مسمار هذا الفشل، وهو مُحمَّل على آخره، بالأحزان والهموم مِن الأثر؛ لأن أقوى وأعظم سِر في هذه الحياة هو تطوير الموقف، والمعرفة الحكيمة بكيفيَّة تقديم الشكر لله سبحانه وتعالى، على كل ما يحدث في حياتنا، سواء كان جيدًا أو سيئًا؛ مع العلم أن كل خطوة إلى الأمام هي خطوة لتحقيق شيء أكبر، أفضل وأعظم من وضعنا الحالي، وكل خطوة إلى الوراء هي فرصة للتفكير، التَّقْيِيم، التِّحسين والتَّحَسُّن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد