العهد العثماني، وخاصة فترة العهد العثماني في الأقطار العربية من الفترات التي تحمل في تأريخها تناقضًا يحير الألباب والعقول، ففي مصر مثلاً تارة نراها صورة شديدة الظلام كما يصفها حسين فوزي «وُلد 1900– تُوفي 1988» بأنها «من العصور المظلمة حقًا، صورة مهزوزة سوداء في احمرار داكن تبدو فيها من هناك وهناك أضواء جهنمية»(1)، وتارة نراها صورة مضيئة كما يصفها مؤرخ تونس الشهير في القرن الـ18 حمودة بن عبد العزيز «وُلد 1733– تُوفي 1788» حين يقول: «وليس الآن فيما يبلغنا أحواله من المعمور شرقًا أو غربًا مدينة هي دار للعلم وموضوع الهجرة إليه من الأقطار مثل القاهرة»(2).

ولكن عند التدقيق التاريخي الموضوعي للعهد العثماني سنرى أنها كانت فترة إنسانية طبيعية طغت فيها الإيجابيات على السلبيات في فترات القوة والتمكين، ونجد أن السلبيات الشديدة تظهر في فترات الضعف، أي أن الموضوع ليس له علاقة بتعميم أو بجينات أو بعرق معين كما يدعي البعض، بل هي فترة مليئة بالتغيرات.

وإذا رجعنا لكلام د. محمد عفيفي رئيس قسم التاريخ بكلية آداب جامعة القاهرة، فسنجده يتكلم بإنصاف عن الفترة العثمانية قائلاً أن العالم العثماني: «لا ينتمي إلى صنف الشياطين الأشرار ولا إلى صنف الملائكة الأطهار»(3)، وأيضًا يقول: «إنه مهما يكن من أوجه النقد لفترة الحكم العثماني للعالم العربي إلا أن هذا الحكم قد ساعد على إيجاد وحدة سياسية واقتصادية من نوع خاص بين الولايات العربية لأول مرة ربما بعد ضعف الدولة العباسية»(4).

هذه الوحدة التي تكلم عنها أيضًا المؤرخ الفرنسي الشهير أندريه ريمون قائلاً بأنها ساعدت في «دمج الدول العربية داخل مجموعة موحدة متسعة للغاية، وأنها ساعدت في نمو حركة تبادل داخلية واسعة النطاق»(5).

أي أن الفترة العثمانية ليست جنة ولا نار كما تدعي بعض التيارات التأريخية المختلفة، ولكن ماذا عن الجانب العلمي لهذه الفترة؟ وهل من الممكن أن يساعدنا البحث في هذا الجانب على إعادة تقييم نظرتنا لهذه الفترة؟ وهل تساؤلاتنا حول مجال علمي معين ستجيب عن أسئلتنا أم أنها ستفتح المزيد من التساؤلات؟

لعلنا لن نجد إجابات مناسبة، وهذا أمر طبيعي لأنه كما قال العقاد: «نحن نقرأ لنبتعد عن الجهل، لا لنصل إلى نقطة العلم»، ولكن يكفينا المحاولة، وهذا ما سأحاول فعله في سلسلة مقالات عن مجال الطب في مصر في العهد العثماني «1517– 1798» والتي سنتكلم فيها عن الطب بأبعاده المختلفة في جانب التنظيم الإداري والقانوني وفي المجال العلمي والوصفي له في هذه الفترة، محاولين الاعتماد على أدلة عديدة متنوعة، وستكون هذه المقالة عن نبذة تصورية يسيرة عن الطب في العهد العثماني عامة، حتى نستطيع الكلام عن الطب في مصر العثمانية «1517– 1798» خاصة.

نماذج طبية من العهد العثماني

كان الطب في العهد العثماني متطورًا نسبيًا بما يناسب عصره، ولم يكن متخلفًا كما يدعي البعض؛ فتشهد كتب شرف الدين الصابونجي الأماسي، وهو جراح عثماني عاش في عهد الفاتح، بعلو مركزه في دراسة الأدوات الجراحية، ولدينا داوود الأنطاكي بدراساته في المخ، وأخي جلبي وأبحاثه في المسالك البولية، وعياشلي شعبان أفندي «أفندي كانت تطلق على العلميين» بدراساته في أمراض النساء والولادة والأطفال، بل إن أول كلية للطب عند العثمانيين قامت في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي قبل عهد النهضة العثمانية في عهد الفاتح بكثير، وسموها بل أطلقوا عليها لفظة «دار الطب»، وإنشاء المجمع الطبي العثماني في القرن الخامس عشر الميلادي دليل على اهتمام الحضارة العثمانية بالعلوم (6).

وفي القرن الـ15 يخصص العالم العثماني مؤمن السينوبي في كتابه في الطب 25 بابًا للأمراض العقلية والنفسية والعصبية، وهناك أحمد بن محمد درس الطب في إسطنبول، ثم ذهب إلى الهند في القرن الـ17 وصار طبيبًا خاصًا لشاه جيهان، ثم عاد إلى إسطنبول وألف كتابه قاموس الأطباء، وفي بداية القرن الـ17 حرر شيخ الحرمين شمس الدين أفندي كتابه المسمى تشريح الأبدان، يلاحظ فيه أنه استفاد من كتاب فاسبيوس المسمى «دي هيوماني كاربوريس فابريكا»(7).

الاهتمام بالمريض النفسي والعقلي في الدولة العثمانية

كان هناك اهتمام قوي بالمريض النفسي أو العقلي، بل خصص العثمانيون مستشفيات خاصة لهذه الأمراض، وفي ذلك الوقت أيضًا استخدم الطبيب العثماني الموسيقى لمعالجة الأمراض.

وحافظ العثمانيون على أعلى المستويات العالمية في مداواة الأمراض العقلية والنفسية حتى القرن الـ19، ولم يعامل المرضى العقليون معاملة سيئةً بتاتًا، وكتب الدكتور الإنجليزي جون هوارد في 1788 أن المستشفيات العقلية التركية في حالة انحطاط بالنسبة للسابق، لكنها مع ذلك ما زالت أرقى من مثيلاتها في أوروبا، وقد وُرد في تقرير أن فرنسا حتى 1818 كانت لا تعير الاهتمام الكافي للمرضى غير العاقلين، بل في بعض الأحيان تعاملهم معاملة أسوأ من الحيوانات والجناة (8).

الدولة العثمانية لم تكن منغلقة على نفسها أمام الطب الخارجي نسبيًّا

بداية لم يقف أطباء الدولة العثمانية موقف الساكن أو المتفرج من تطور علوم الطب في أوروبا، فكانت تتم ترجمة كتب الطب الأوروبية إلى العثمانية في القرن ال 17م وال 18م، فقد أخذ الطب الغربي في الدخول منذ القرن الـ17، وفي القرن الـ18 شُرع في ترجمة الكتب الطبية الأوروبية إلى اللغة التركية.

بل في بعض الأحيان كان يحدث العكس، فإنّه توجد معلومات كثيرة عن تطعيم الأطفال ولقاح الجدري في إسطنبول ضد الجدري عام 1695، وفي عام 1721 شاهدت السيدة مونتاجيو عندما كانت سفيرة لإنجلترا في إسطنبول كيفية صنع هذا اللقاح، وقد قاومت أوروبا مدة طويلة اللقاح الذي طبقه العثمانيون، ولكن في 1764 وافقت الأكاديمية الطبية الفرنسية على أن هذا اللقاح «قد يكون مفيدًا»، وتم استخدام أول لقاح بأوروبا في إنجلترا في العام نفسه أي 1764، وقد قال يلماز أوزتونا إنه قد جرت محاورات كثيرة حتى هذا الوقت «أي قبل 1764» في أوروبا الغربية بين بعض رجال الدين الرافضين لهذا اللقاح وبين الأطباء «تقريبًا بسبب عثمانية اللقاح»، وبعد عناء أصبح التلقيح شيئًا عاديًا (9).

وفي مصر مثلًا، احتدت الاجتهادات الفقهية في موضوع التدخين، وهل هو حرام أم حلال في القرن الـ17، وأخذ الفقهاء من الجانبين «أصحاب جانب التحليل وأصحاب جانب التحريم» الآراء الطبية المعاصرة في هذا الموضوع، وقد لوحظ أن أسانيد أنصار التحريم –والتي في أصلها من آراء الأطباء المسلمين– كانت أقوى من الأسانيد التي ساقها الشيخ الأجهوري والتي نسبت إلى أحد أطباء أوروبا «مونادر الإسباني»، مما يعطينا انطباعًا عن استمرار احتفاظ الأطباء المسلمين بقوتهم حتى تلك اللحظة، وفي الوقت نفسه أن استدلال الشيخ الأجهوري برأي أحد أطباء أوروبا يعطينا مؤشرًا قويًّا على وجود اتصال ثقافي بين علماء العالم الإسلامي والدول الأوروبية آنذاك (10).

الصحة العامة في الوعي المصري

قدم لنا «ألبين بروسبير» الطبيب وعالم النباتات الأوروبي الذي زار مصر في القرن الـ16، «سر التوليفة السحرية التي تطيل أعمار المصريين، والتي تتلخص في طريقة التغذية، والنوم، والهواء النقي، والطعام النظيف، وشرب مياه النيل».

وأدرك الأطباء المصريون أهمية الرياضة في «قطع الأمراض وتصلب المفاصل، كما أنها تحلل العضلات وتوسع المسام» وقد قسموا الرياضة إلى قسمين:

الأول: رياضة عامة تعم الجسم كله مثل المشي والعدو والمصارعة.

الثاني: رياضة خاصة تخص بعض أجزاء الجسم فلكل عضو رياضة.

فرياضة «الرأس»: القراءة بصوت عال لأن القراءة توجب تنفيذ العضول من الرأس وتهيئته لقبول الغذاء»، ورياضة «العين»: «القراءة في الخطوط الدقيقة ورؤية الصور الحسان من النساء خصوصًا أو الأشجار والمياه»، ورياضة «الأذن»: «استماع الأصوات اللطيفة والألحان الحسنة»، وذلك مثلما قال الطبيب بدر الدين القوصوني.

وتتوقف صحة الجسم على ممارسة الرياضة، «فأهل الريف أكثر حركة ورياضة من أهل المدن ولذلك هم أصح أبدانًا؛ لأن الرياضة تصلب أبدانهم وتقويها»، وذلك مثلما قال الطبيب ابن الصائغ الدروي.

ووجد الأطباء أن هناك علاقة بين الغذاء والإصابة بالأمراض، وأكدوا على أهمية تناول طعام الإفطار والعشاء مبكرًا لدواعي صحية، وذلك مثلما قال الطبيب شهاب الدين القليوبي (11).

ولكن ذلك لا يمنع من وجود سلبيات عديدة كانت منتشرة في هذا العصر، وأهمها ظاهرة مرضية خطيرة انتشرت بين مختلف طبقات المجتمع المصري، وهي ما يمكن أن نطلق عليها بالمصطلح الحديث ظاهرة «إدمان المواد المخدرة»، وسعى الأطباء لمحاولة علاج هذه المشكلة وعلاج الإدمان (12).

الاستشراق المتسق بالاستعمار كأحد أسباب الصورة القاتمة لتاريخ علم الطب في مصر العثمانية

إذا كان الموضوع ليس سوداويًا بهذه الدرجة فما سبب هذه الصورة السيئة إذن؟ أظن أن جزءًا كبيرًا من هذه الصورة يرجع السبب فيها إلى كتابات الفرنسيين أثناء الحملة الفرنسية عن مهنة الطب في مصر، وذلك لخدمة أهدافهم السياسية وإظهار الفرق بين ما كانت عليه أحوال مصر قبل الحملة وبعد مجيئها.

فقد كتب روبيه عضو لجنة العلوم والفنون في دراسته حول عقاقير المصريين ما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه فقال: «لا يمكننا أن نرى سوى آفاق ضيقة وجهل يضيف ثقة لمركبات التعصب هذه وادعاء الطب».

ويتضح لنا تعصبه بوضوح عندما ذكر «أن الترياق الكبير – هكذا يطلقون عليه – مماثلاً تقريبًا لما نجده مدونًا في وصفاتنا الطبية ويحمل اسم ترياق أندروماك، فلا يختلف عنه سوى في أجزاء بسيطة؛ حيث يحتوي على مهيجات أكثر فاعلية فقط، ويعتبر المصريون تركيب ترياقهم الخاص سرًا كبيرًا، حيث يعتبرون أنفسهم أصحابه دون منافس».

كما ذكر أن معالجات الأسنان غير معروفة بمصر وإذا كان المصريون يستطيعون الاحتفاظ بأسنانهم ناصعة البياض؛ فيرجع هذا إلى اعتيادهم غسلها أثناء الوضوء وبعد الوجبات، بالإضافة إلى خصائص الفواكه غذائهم الرئيسي وشرب مياه النيل دون اللجوء إلى التركيبات الطبية التي لا غنى عنها لسكان أوروبا، في حين أن المخطوطات الطبية قد احتوت على العديد من علاجات الأسنان.

ونستشف من السطور الختامية لدراسة روبيه ما يفصح عن الفكر الذي تشبع به فقال: «لقد ساهمت حكومتنا المستنيرة بخطواتها المدروسة في الحفاظ على صحة أفراد هذا الشعب –ما أمكن– وذلك بتوفير الدواء والعناية بالبؤساء وأيضًا بإجراء الجراحات كلما تطلب الأمر ذلك، مما جعل الفرنسيين يقابلون باحترام فهم الذين انهمكوا في إنشاء مستشفيات للطبقة المعدمة أثناء الحملة بمصر»(13).

وهو كلام استشراقي استعماري في أبهى صوره، ويوضح لنا كيفية كتابة الاستعمار الأوروبي لتاريخنا.

الخاتمة

مما سبق يتضح لنا أن الصورة القاتمة العامة عن الطب في العهد العثماني هي غير صحيحة، فكان هناك أطباء مهرة، وكان هناك اهتمام بالمريض العقلي والنفسي بما يناسب هذه الفترة، بالإضافة إلى أنه لم يكن هناك انغلاق علمي كما تدعي بعض التيارات التأريخية، وكان هناك وعي صحي في مصر يناسب عصره، بالإضافة إلى توضيح نموذج تطبيقي للاستشراق الاستعماري وكيفية كتابته للتاريخ.

وللحديث بقية عن الطب إن شاء الله في مقالات قادمة.

1) د. محمد عفيفي: عرب وعثمانيون – رؤى مغايرة، ص24
2) أندريه ريمون: المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، ص8
3) د.محمد عفيفي: عرب وعثمانيون – رؤى مغايرة، ص37
4) د.محمد عفيفي: عرب وعثمانيون – رؤى مغايرة، ص100
5) أندريه ريمون: المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، ص36 -37
6) د.محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص309
7) يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، ص533
8) يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، ص 533- 534
9) يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، ص 534 -535
10) ناصر عبد الله عثمان: قبل أن يأتي الغرب – الحركة العلمية في مصر في القرن السابع عشر، ص215 – 216
11) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير لسنة 2005، ص87 و 88
12) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير لسنة 2005، ص88 و 125
13) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير لسنة 2005، ص71 – 72

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد