العلويون هم فرقة من الشيعة الإمامية ونشأتها الأولى هي نشأتهم نفسها، إلا أنها اتخذت سبيلًا آخر بعد الإمام محمد الثاني عشر «القائم بالحجة»؛ إذ إنه كان لكل إمام باب وكان أول باب هو «سلمان الفارسي» الذي يحتل مقامًا رفيعًا عند العلويين، لأنه كان باب الإمام «علي»، وآخر باب هو «أبو شعيب محمد بن نصير» والذي كان بابًا للإمام الحادي عشر «حسن العسكري»، وتولى زعامة فريقه من العلويين، ولهذا ذهب بعض الدارسين إلى أن اسم «النصيرية» الذي عرف به العلويون في سوريا وتركيا لفترة طويلة هو نسب إليه، غير أن حقيقة التسمية جاءت نسبة لجبل «نصيرة» الذي اتخذته الطائفة العلوية ملجأ لها ضد بطش وأذى الغير، ولما زالت أسباب الاضطهاد عادوا لاسمهم «العلويين» نسبه لـ«علي بن أبي طالب».

وهكذا انتقلت بعدها رئاسة العلويين لـ«عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني»، والذي كان ذا علم وفلسفة وزهد وتصوف، وأسس الطريقة «الجنبلانية العلوية»، وقد غلبت الصوفية على المذهب العلوي في هذا الوقت، والذي جمع بين ثلاث عقائد مهمة هي «التشيع والاعتزال والتصوف»، ثم تلاه «حسين بن حمدان الخطيب»، والذي استقر في حلب على مقربه من «سيف الدولة الحمداني» الذي كان متشيعًا ومحبًا لآل البيت في غير غلو، وبعد ذلك لعب «الخصيبي» دورًا كبيرًا في تثبيت الدعوى العلوية ورفض الاتحاد مع الإسماعيلية، كما وترك كتبًا كثيرة منها «الهداية الكبرى» و«أسماء النبي» و«أسماء الأئمة» وغيرها، إلا أن بعض المؤرخين ذكروا أنه كان يقول بالتناسخ والحلول، وعلى الرغم من أن كتاب «الهداية الكبرى» يعد من الكتب النفيسة الخالية من الغلو، فإن الكتب الأخرى يرجح أن كثيرًا من الأيادي أضافت إليها أو حذفت منها.

وقد تناوب بعد ذلك على رئاسة العلويين عدد كثير من الرؤساء، لكن لم يكن لهم شأن «الخصيبي»، ونظرًا إلى عبث الروم بالمنطقة العلوية فإن الطريقة افتقدت لرئيس وانتقلت الرئاسة لأسرة «البلقيني» في مصر، غير أن ستائر النسيان والإهمال وموجات التعذيب والاضطهاد، وما استتبع ذلك من آفات الجهل والتأخر أثَّر في عقائدهم وساهم فى غلو معتقداتهم، وقد ساهم في ذلك مشايخ لا يعلمون من المذهب إلا القشور، إلا أن هناك فريقًا آخر من العلويين انفصل منذ وقت مبكر عن العلوية وهي جماعة «الإسحاقية» نسبة لـ«إسحاق النخعي» وهو من أصحاب الإمام «الحسن العسكري»، حيث كان هو وجماعته يؤلهون الإمام «عليًّا» حتى قضى عليهم «الحسن السنجاري».

لكن العلويين بالإجمال هم شيعة إمامية، غير أن شطحات الغلو جنحت بأكثرهم لمهاوي الزلل، فضلًا عن السرية التي فرضها فريق منهم على العقيدة، وقد كابد المؤمنون العلويون الكثير من المتاعب نتيجة لتصرفات فئات الغلاة منهم، كما ثارت ثائرة العلماء العلويين واعترضوا على كل الادعاءات التي تصورهم بعيدين عن الإسلام، وأعلنوا براءتهم من كل من يخالف العقيدة الإسلامية وذلك في عام 1938م.

وما زال يمضي العلماء الواعون منهم يزيحون الخرافات التي أصبحت عقائد ويحاربون البدع؛ إذ إن عقيدة العلوي أساسها التوحيد وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق، والإقرار بنبوة «محمد» والاعتقاد بالمعاد والعمل بدعائم الإسلام الخمسة، والاعتقاد بالإمامة، كما أن المعتدلين منهم يتحلون بالسماحة عند ذكر «أبي بكر» و«عمر» و«عثمان» ولا يسبونهم.

أما من القضايا التي تشكل خلافًا بين العلويين وجمهرة المسلمين هي الصورة الباطنية للعقيدة والعبادة، حيث يؤمن العلويون بـ«الهبطة»، والتي تدَّعي أن الأرواح كانت بغير أجساد ثم هبطت إلى الأرض وألبست كل روح قميص لا تلبث أن تنتقل منه حين يبلى إلى قميص آخر وهذا القميص هو الجسم البشري، كما وأن العلويين يؤمنون بالتقمص، ويحتفلون بالأعياد الإسلامية والفارسية والمسيحية، أما الزواج فيجوز فيه التعدد، لكنهم لا يعترفون بزواج المتعة، ولا يتزوج العلوي غير مسلمة كما لا تتزوج العلوية غير مسلم، ولا يجوز عقد زواج بين العيدين، حيث يحسب رجال الدين عندهم أيامًا سعيدة يعينوها للزواج، والمرأة عندهم محرومة من حقوقها الدينية ولا ترث إذا كان عندها إخوة ذكور، ونظام المواريث كما جاء في الإسلام غير واجب عندهم بل الأخذ به سنة، ولكن تعطى المرأة شيئًا من تركة أبيها على سبيل المساعدة.

هذا ولا يسمح للولد «الطفل» العلوي أن يتعلم الدين قبل الخامسة عشرة من عمره، كما ولا يسمح لغير العلوي أن يدخل في الطائفة أو المذهب العلوي إلا بشروط قاسية واختبارات مريرة، وبعد أن يطمأن إلى الشخص الذي يريد اعتناقها كل الاطمئنان يسمح له بالإطلاع على أسرارها لأن العقيدة سرية باطنية، بالإضافة إلى أن العلويين لا يأكلون أنثى الحيوان التي تحيض، ويحرمون أكل الجمال والأرانب والغزلان.

كما ويرى العلويون أن الخلافة بعد الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، يجب أن تكون للإمام «علي بن أبي طالب»، وذلك وفق القرآن كما يعتقدون ووفق الأحاديث التي يعتقدون بها ويجدون لها مخرجًا من صحاح السنة والشيعة على حد سواء، بينما يرى المسلمون السنة أن الرسول أمر «أبا بكر الصديق» رضي الله عنه بالصلاة بالمسلمين في حياته، ولم يصل أحد بهذه الأمة في حياة الرسول إلى هذه المكانة، سوى صاحبه وأبي زوجته أبي بكر، وأن عليًّا بن أبي طالب كذلك كان خليفة المسلمين الرابع، ولم يرشح نفسه قبلها، كما وكان عالم دين وفقيهًا ووزيرًا لكل الخلفاء، والتقديم عند أهل السنة والجماعة يكون لأحفظهم القران، وأعلمهم بالحديث والدين وأكبرهم سنًّا، ومن يجمع المسلمون على تقديمه بعد أن يرشح نفسه ويقبل هو ذلك أولًا.

والعلويون يعتبرهم «ابن تيمية» كفارًا، وذلك لأنه جمعهم مع النصيرية، كما يرى «أبو حامد الغزالي» في كتابه «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية» أن الباطنية لا تعامل معاملة الكافر الأصلي بل الكافر المرتد، وأن كل من هو على غير دين الإسلام يعد كافرا، لكن الأصلي هو من لم يسبق له أن أسلم، أما المرتد فهو من ترك الإسلام إلى الكفر، وهذا الأخير هو أشد كفرًا من الأصلي وجزاؤه القتل، بينما يسمح للكافر الأصلي أن يبقى حيث هو، وذلك إن خضع للإسلام ودفع الجزية، ولهذا يقول الغزالي: «يتخير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: «المنّ والفداء والاسترقاق والقتل»، ولا يتخير في حق المرتد بل لا سبيل إلى استرقاقهم، ولا إلى قبول الجزية منهم، ولا إلى المن والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم ـ هذا حكم الذين يحكم بكفرهم من الباطنية ـ»، ويقع هذا الحكم حتى على النساء من الباطنية، ولا يستثنى منه إلا الصبيان الذين سيخيرون حين يكبرون بين الإسلام أو دين آبائهم، فيعفى عنهم في الحالة الأولى ويقتلون في الثانية، والله أعلم.

وأخيرًا نقول إن العلويين هم أصحاب نخوة وفروسية، حيث خاضوا المعارك ضد الصليبيين وقاوموا بعض طغاة الأتراك، كما وكانوا صورة طيبة للجهاد في حركات الاستقلال العربية الحديثة، لكن هناك بعض الأقلام المغرضة التي حاولت أن تنسب العلويين المنتشرين في الشام والعراق وتركيا وإيران إلى ما ليس فيهم «فرقة النصيرية»، واعتمادًا على أمور ينكرها العلويون أنفسهم اليوم قاطبة، وأظن أن السبب في ذلك هو زرع بذور التفرقة والحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة، حتى تقيم السلطات الظالمة فيهم السيف والقتل والفتك والتشريد، والتي لم تكتف بذلك فقط بل أخذت بالافتراء عليهم لتنفر الناس من الاختلاط بهم وأنهم زمرة وحشية همجية، مما زاد في انكماش هذه الطائفة على نفسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد