اقرأ أولًا:

موجز تاريخ الدولة الأموية (1)

موجز تاريخ الدولة الأموية (2)

موجز تاريخ الدولة الأموية (3)

موجز تاريخ الدولة الأموية (4)

موجز تاريخ الدولة الأموية (5)
موجز تاريخ الدولة الأموية (6)

موجز تاريخ الدولة الأموية (7)

في منتصف عام (132 هـ) كان العباسيون قد أقاموا دولتهم، ووصلوا إلى عاصمتهم في الكوفة، مسيطرين على كل المساحة فيما بين خراسان والعراق، وقد انتصروا على كل الجيوش الأموية حتى هذه اللحظة، وبقيت المعركة الفاصلة التي يتواجه فيها الجيش العباسي مع الجيش الأموي الرئيسي بقيادة الخليفة مروان بن محمد.

ورغم سيطرة العباسيين على الكوفة، إلا أن خلافات داخل الدائرة الصغيرة العباسية عطلت ظهور الخليفة الذي ما يزال حتى الآن مجهولًا، حتى ظهر بعد حوالي شهر، واكتشف الناس للمرة الأولى اسم الخليفة المجهول. إنه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب! وهو بهذا عباسي من آل البيت، وليس علويًّا كما توقع الجميع، ذلك أنه لم يكن للعباسيين سابق ثورات على الأمويين، فيما حفل تاريخ العلويين بالثورات.

ظهر أبو العباس، وكان وقتها شابًا في السادسة والعشرين من عمره، ومن العجيب أن أخاه إبراهيم – الإمام السابق للدعوة العباسية- قدَّمه في الإمامة على أخيه أبي جعفر، الذي هو أكبر منه بتسع سنوات، على الرغم من أن أبا جعفر شخصية سياسية من الطراز الأول، كما سيظهر بعدئذٍ، بهذا ندرك كم كان أبو العباس – أيضًا- شخصية ذات مواهب فائقة تفوق أخاه الأكبر؛ إلَّا أنَّ العُمر لم يمهله ليظهر منه مثلما ظهر من أخيه.
لم تكن مهمة الخليفة الأول أبي العباس سهلة، فالدولة في بدايتها، مروان بن محمد يُعدّ لها جيشًا عظيمًا، وقوة أموية أخرى في واسط، والعلاقات ساءت بينه وبين الرجل الثاني في الدعوة أبي سلمة الخلال، والذي بيده مقاليد الأمور الفعلية في الكوفة!

ولكن أبا العباس كان على مستوى المسؤولية فقد حملها حتى بدا ذلك على ملامحه، فبعدما كان “شابًا جميلًا تعلوه صُفْرَة (أي بياض)” إذا به بعد أسبوع واحد “كأن وجهه ترس وكأن عنقه إبريق فضة وقد ذهبت الصفرة”.
ترك أبو العباس السفاح الكوفة وعهد بإدارة أمورها إلى عمه داود بن علي، وكان مركز العمليات في منطقة تسمى “حمام أعين”، فذهب إليه ليدير المعركة بنفسه، وجعل قيادة الجيش العباسي إلى عمه عبد الله بن علي، وأرسل فرقًا أخرى لحصار القوة الأموية في واسط، وفرقًا أخرى لجيوب أموية أخرى.

وجاء موعد المعركة الحاسمة..

لقد حشد مروان كل ما استطاع في جيش أموي كبير بعدما اتضح أن التهديد وجودي، وأرسل إلى البيت الأموي بالتجهز ونادى فيهم “دافعوا عن ملككم”، وسار الجيش الكبير الذي تقدره بعض الروايات بمائة وعشرين ألفًا ليواجه الجيش العباسي الذي كان في حدود العشرين ألفًا فحسب.

التقى الجيشان عند منطقة الزاب على ضفة نهر دجلة قريبًا من الموصل، جرت في البداية مناوشات صغيرة أسفرت عن قتلى وأسرى من الجيشين، لكن الجيش العباسي كان في إقبال وكان الجيش الأموي في إدبار.
لقد كان جيش العباسيين متفوقًا في التماسك والروح المعنوية، فالدعوة في أول أمرها، وخلفه تاريخ من الانتصارات القوية، بينما تضرب العصبية القبلية في الجيش الأموي الذي يقدم إلى المعركة وهو يعلم الهزائم التي لحقت بسابقيه.

أدركت قيادة الجيشين أن المعركة المعنوية هي الأهم في اللحظة الحاضرة، لذا حاول مروان بن محمد أن يؤخر المعركة ما استطاع لتزول الهيبة من العباسيين، بينما سارع عبد الله بن علي لتعجيل المعركة لاستثمار هذه الهيبة ولمنع انتشار الحديث عن ضخامة جيش الأمويين في معسكره. ولهذا قال مروان بن محمد لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: “إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم[1]، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون”.

 

وفشلت محاولة مروان في تأجيل المعركة فاندلعت إحدى أهم المعارك الفارقة في كل تاريخ الإسلام.
كان أول انهيار الجيش الأموي أن بدأت فرقة منه بعصيان أمر مروان بن محمد، فاندفعت إلى القتال، وبهذا بدأت المعركة (11 جمادى الآخرة 132 هـ)، وامتص الجيش العباسي هذه الصدمة ببسالة قادته جميعًا، حتى انعكس الموقف وتراجع الأمويون وبدأ الهجوم العباسي.

وأمام الهجوم العباسي فقد مروان بن محمد سيطرته على جيشه، فإذا أرسل إلى كتيبة يأمرها بالتصدي رفضت: أرسل إلى قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، وأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا: قل لبني عامر أن يحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا: قل إلى غطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: لا والله لا أجعل نفسي غرضًا. قال: أما والله لأسوءنك. قال: وددت والله لو قدرت على ذلك.
وما بين جيش متماسك مندفع يقاتل جيشًا مضطربًا مترددًا تسكنه العصبية، كان طبيعيًّا أن تؤول المعركة الفاصلة إلى النتيجة المحتومة: هُزِم جيش الشام، وفَرَّ الشاميون يتبعهم الجيش العباسي فيأسر ويقتل، ولكي ينجو مروان بنفسه فإنه ما إن عبر حتى قطع الجسر من خلفه فترك كثيرًا من الجنود لم يعبروا فحلت الهزيمة ومعها اليأس أيضًا، واقتحم الجنود النهر يريدون عبوره سباحة فغرق منهم كثيرون، حتى لقد غرق من الشاميين أكثر مما قُتِل، ولم تنفع الجيش كثرته إذ سكنته العصبية!
ومن أبلغ ما يُروى في الهزيمة النفسية التي حلت بجيش مروان ما يحكيه جندي منهم عن نفسه، قال:

“شهدت وقعة كشاف مع مروان بن محمد، ومعي سيفي، وعليَّ درع قد ورثتها عن أبي وجدي منذ زمن الجاهلية، وتحتي فرس من نتاج قومي، وما ضربتُ شيئًا قط إلا هتكته، فحملت على رجل من أصحاب أبي عون (قائد ميسرة العباسيين) فضربته فما عمل سيفي فيه شيئًا، ثم حمل عليَّ رجل من أصحاب أبي عون فضربني بعصا كانت في يده فأبلغ – والله- إليَّ[2]، فانصرفت ووقفت هُنَيَّة، تم حملت على آخر فضربته على رأسه، فوالله ما عمل سيفي قليلًا ولا كثيرًا، ثم حمل عليَّ رجل فضربني بعصا فكدت – والله- أقع عن فرسي، فقلت: إن أمرهم لمُقْبِل، وإن أمرنا لَمُدْبِر، فولَّيْتُ منهزمًا”.

فهذا كلام رجل هُزم في نفسه أولًا حتى تمكنت منها الأوهام والخيالات قبل أن يُهزم في ميدان المعركة.
انسحب مروان بن محمد من الزاب نحو حران ثم إلى قنسرين ثم إلى حمص، وهناك قاتله أهلها فانتصر عليهم ثم توجه إلى دمشق ويبدو أنه عجز عن البقاء فيها والدفاع عنها لما حل بها من الانقسام على الأمويين، فتركها في عهدة زوج ابنته الوليد بن معاوية بن مراون، ثم انسحب إلى مصر.

وبعد الانتصار العباسي الكبير على جيش الأمويين في “الزاب” تتابع سقوط المدن أمامهم بغير عناء يذكر، حتى وصلت جيوش العباسيين إلى دمشق، فحاصرتها لأيام ثم اقتحمتها مستعينة في ذلك بانقسام أهل دمشق، ونجاح عبد الله بن علي في تحريض اليمانية – الخصوم القدماء لمروان بن محمد وعصبته من القيسية- ولقد روي في انقسام أهل دمشق أنهم لم يكونوا يصلُّون معًا، وأن الجامع الأموي شهد وجود قِبْلتيْن ومنبريْن وإماميْن يخطبان الجمعة في نفس الوقت.

وهكذا سقطت العاصمة الأموية، وثاني عواصم الإسلام الكبرى بيد العباسيين.

في تلك الأثناء كان مروان بن محمد قد بلغ فلسطين وهو يغذ السير إلى مصر، فجاءت أوامر الخليفة أبي العباس بأن يتولى عبد الله بن علي ولاية الشام، بينما يستمر عمه الآخر صالح بن علي في مطاردة مروان بن محمد الذي كان طريقه يسير من فلسطين إلى سيناء إلى الصحراء الشرقية إلى الجيزة على الضفة الغربية من النيل، وكان صالح بن علي في مطاردته بكل الحزم والإصرار، ووقعت أحيانًا مناوشات بين فرق من العباسيين مع فرق من الأمويين انتصر فيها العباسيون بطبيعة الحال، ثم استطاعت سرية يقودها عامر بن إسماعيل أن توقع بمروان بن محمد مع مجموعة من فرسانه فدرات بينهما معركة قُتل فيها مروان بن محمد (27 ذي الحجة 132 هـ) في قرية “أبو صير” التابعة الآن لمحافظة بني سويف في مصر.
وبمقتل مروان بن محمد انتهت الدولة الأموية الكبيرة.. إلى الأبد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كناية عن بقاء الدولة حتى يوم القيامة ونزول عيسى بن مريم (الذي هو من علامات الساعة الكبرى).
(2) أبلغ إليَّ: المراد أصابني إصابة قوية ومحكمة.
عرض التعليقات
تحميل المزيد