تنبيه هام: هل صندوق مناديلك بجانبك، تحذير هذا المُنتج مُثير للدموع لذلك وجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة.

“لا تستطيع أن تُحصي أقمارها التي تلتمع فوق الأسطح، ولا الألف شمس التي تشرق خلف أبوابها”.

ستحتاج إلى وقت طويل حتى تطلع عليك تلك الشموس المشرقة من خلف الأبواب في رواية خالد الحسيني “ألف شمس مشرقة”.

فتلك الرواية ليست واحدة من الروايات المُشرقة المُسلية، أو تلك المليئة بالإثارة والرعب. مع أنك يُمكنك أن تشعر بنوع من الرعب، من خلال الأهوال التي تعيشها الشخصيات. يكفي أن أُخبرك أنها تدور في أفغانستان.

نعم ذلك الإقليم المنحوس، الذي اختارته الحربُ الباردة لِلَعب فصلًا طويلًا من صراعها، متبوعة بحرف طائفية ثم سلطة متطرفة وأخيرًا غزو أمريكي!

يُورِطنا الحسيني في روايته، بحكاية بسيطة عن فتاة وأمها، يبدأ بها عرضه القصصي الشيق كالعادة، فيحكي لنا على طريقته السردية المُتميزة حكاية تلك الفتاة الصغيرة التي تقطن في بيتها المتواضع على أطراف مدينة “هيرات”، ومشاعرها المُضطربة للكلمة التي طاردتها طول عمرها: “حرامي” التي يبدو أنها تعني في الأفغانية أو بالأحرى الفارسية “طفل غير شرعي”. تحكي لنا الفتاة حكايتها من وجهتي نظر أبيها الذي آثر عدم الاعتراف بها مُحافظةً على شكله الاجتماعي، وأمها التي تُعلمها درسها الأول في الحياة: كما تُشير البوصلة إلى الشَمال دومًا، فإن أصابع الاتهام دوما تُشير إلى المرأة.

على الرغم من ذلك فإن أباها لا يُهملها كليةً ويزورها كل أسبوع، رُبما كان الأفضل لو لم يفعل. أما أمها فتصُب نقمتها عليه وعلى المجتمع، بل وعلى ابنتها كذلك. تفهم “مريم” فيما بعد أن الأم لم تكن تكرهها حقًا أو تنقم عليها، لكن تكره نفسها في الأساس وربما فشلها في إهداء واقع أفضل لابنتها.

تتصاعد الأحداث في حبكة قوية جدًا ومشاهد تهز أعماقك. وبذلك يُحكم المؤلف قبضته عليك، فإذا وصلت لذلك الجزء من الرواية، من الصعب أن تترك الكتاب حتى تعرف ماذا سيحدث لمريم، التي شكلت بالنسة لي الشخصية الأهم والمحور الرئيسي للرواية.

لكنه كاتب ذكي، يعرف كيف يقود دفة سرده، فيتحول بنا إلى زمن آخر ومكان آخر في أفغانستان، ليحكي لنا قصة أخرى، عن امرأة أيضًا لكنها هذه المرة فتاة مُتعلمة، نشأت وتربت في مدينة كابول العاصمة وتُدعى “ليلى”. يبدأ هنا المؤلف في تعريفنا على واقع أفغانستان السياسي، للأسف هذا الجانب من الرواية صعب بعض الشيء في المُتابعة نظرًا لتشابك وتزاحم الأحداث وتعدد أسماء الأحزاب المتناحرة وقادتهم غير المألوفة للكثير منا.

فعلى مدار الرواية، يعرض الحسيني بطريقة شبه إخبارية تتابع الأحداث السياسية والحروب المتوالية، التي انتهت بالغزو الأمريكي. يتناوله المؤلف بطريقة ناعمة لحد ما، فعلى الرغم أنه يُدين ما سببه من مزيدٍ من القتل والدمار في أرض مُهدَمة بالفعل، إلا أنه يقرر من وجهة نظره، أنه الثمن الذي يجب دفعه للتخلص من شر أكبر وهو الجماعة المُتطرفة “طالبان”.

بغض النظر عن الإسقاط السياسي، أيًّا كانت أسبابه، فإن أثر تلك الأحداث على حياة أبطال الرواية كان مُدمرًا، وبخاصة على بطلتينا “مريم” و”ليلى”، اللتين يجتمع طريقهما في النهاية. وعلى رغم من غرابة الحبكة التي تجمعهما وعدم توقُعك لها، إلا أن ما يجمعهما حقًّا هو أنهما امرأتان؛ وبالتالي مُرشحتان بقوة لمُعاناة تغيرات البلد بصورتها القصوى. ذلك لأن المرأة غالبًا مُضطهدة في أي مجتمع شرقي مُنغلق. فما بالك في حرب لم تضع أوزارها على مدار سنين تنوعت فيها الأسباب والأطراف.

هذا الجزء من الرواية مُؤلم للغاية، ربما تَكاثرت المصائب بشكل تراجيدي مُبالغ فيه على هاتين المرأتين، لكن قد يكون المؤلف مدفوعًا بتحمسه لعرض الويلات التي تتعرض لها النساء والأطفال في جرعة مركزة. فالمرأة للأسف كائن يحصل على حريته دومًا من خلال آخر هو الرجل، فإذا جَار هذا الرجل أو جُن جنونه في الحرب أو قُتل في معاركها، انتهى الحال بها إلى تلك المأساة. وينطبق هذا على أي مجتمع يعاني من الجهل والفقر والقمع ليست الحرب فقط، حيث تتدنى مكانة المرأة لتصبح كائنًا تابعًا وليست إنسانًا كامل الأهلية.

لذلك خرج لنا هذا الجزء مُحمَّلًا بأكثر مما يُمكنك تحمله كقارئ، فما بالك بالأبطال الحقيقين، فالواقع دومًا يُثبت لنا أنه أغرب من الخيال. لكننا لم نعهد كل هذا البؤس مُكدسًا مُتلاحقًا بهذا الشكل، إلا في الأفلام الهندية مثلًا.

وقد سُئل خالد الحسيني بالفعل على موقع “جودريدز” عن مصداقيته في رواية أحداث لم يعاصرها بنفسه، حيث إنه غادر أفغانستان قُبيل الحرب إلى إيران مُنتهيًّا إلى الاستقرار فيما بعد في الولايات المتحدة، وقد رَد بأنه سافر إلى أفغانستان قبل كتابته لهذه الرواية، وسمع من الناجين قصصهم وتجاربهم في الحرب، مما أهله ليروي قصصهم لاحقًا في كتابه.

مع كل هذا إلا أن المؤلف لم يفقد قوته السردية وموهبته الجبارة في الَحكي، طوال القصة، فهو بارع في إدخالك للعالم الذي يحكيه بتفاصيله، والأهم بتشريحه للشخصيات التي يقُصها. ربما لأنه كان طبيبًا ودرس التشريح، بل ومارس مهنة الطب حتى النجاح الساحق لروايته الأولى “kite runner أو عدّاء الطائرة الورقية” وتفرغه للكتابة حينئذ.

تتجلى قواته التحليلية أيضًا في روايته “And the mountains echoed أو ورجعت الجبال الصدى” التي تَلت “ألف شمس مُشرقة”، فروايته الأخيرة ضمت تنوعًا أكبر في الأماكن والشخوص، لكنه استطاع أن يرسم كلًّا منها بدقة ويجمع أطرافها كعادته في النهاية ببراعة شديدة.

المُميز في خالد الحسيني، هو بساطة خطوطه الرئيسية، فهو دائما يروي أقاصيصه من بدايتها، مُفتتحًا بقصص طفولة الأبطال وآبائهم. فما نعانيه أو ننعم به غالبًا يكُن في البداية امتدادًا لظروفٍ نشأت قبل ولادتنا الفعلية في الحياة. فنحن نعيش حياة آبائنا وأمهاتنا؛ أخطاءهم ونجاحاتهم، على الأقل لفترة ما من حياتنا. تلك الفكرة تتجلى في روايتنا “ألف شمس مُشرقة” بقوة.

فهل نغفر لهم أو بالأحرى نَتفهّم؟ فالحقيقة أنهم أيضًا كانوا يعيشون حياتهم “هم”، وربما لم يكن بوسعهم حمايتنا من التأثر بما فعلوه بها. لا ندرك هذا بالطبع إلا قبل أن نخوض تجربتنا أيضًا في الحياة ونخطئ ونخفق بدورنا.
لكن هذا الإدراك قد يكن مُتأخرًا أحيانًا.

صدق تلك المعاني وعُمق التجارب الإنسانية التي يعرضها “الحسيني” بحيث تمس كل قارئ بشكل ما، هي ما يجعل كل رواية له تتصدر بقوة قوائم المبيعات فور نزولها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد