في 22 دولة عربية، ترى الشعوب أن الديمقراطية قد تكون حلًّا لإنهاء الانقلابات والحكم العسكري وسلطة رجال الدين، فيرونها مثل السلعة الاستهلاكية، أو مثل كوب القهوة، لا يعرفون من زرع البن، ومن حصد ومن باع ومن اشترى وأي سفينة شحنتها وأي ميناء استلمها وكم دُفع للجمارك.

نرى الديمقراطية سلعةً، لا نعرف ظروفها، ولا تاريخ المجتمعات التي نشأت فيها، ولا المناخ الذي نمت فيه، ولا أصحاب الفكر وكيف صقَلوها، لا نعرف إلا مبنى من الطوب وصندوقًا نضع فيه ورقة باسم مرشحنا.

لا نرى من الدول إلا ظاهرها، طرقاتها وقطاراتها وأبراجها وشوارعها النظيفة، فنتحسر على عكس ما نراه في أوطاننا، ونرتبك فلا نعرف أن نفرّق بين البنية التحتية والحضارة.

لا يجب أن تصدَّر الصيغة السياسية للحكم، فديمقراطية الغرب إنتاج حضارتهم، ونحتاج إلى أن نصل للحضارة أولًا، فهي فكر ناضج على جميع المستويات، ووعي وتعليم.

من ثم نفصّل صيغة على نطاق عقولنا التي لا تحمل الفكر الديمقراطي من أساسه، فنحن لا نقر أننا في عصور الظلام فكريًا، ونسعى لتطبيق الديمقراطية في وسط فكري غير ديمقراطي وإقصائي لا يعرف فيه المواطن أن يناقش جاره إلا وانتهى النقاش بدمٍ مسفوك. هذه ثقافة مترسبة لا توصلنا حتى إلى نهاية شارع، فكيف ستوصلنا إلى الديمقراطية؟

إضافةً إلى ذلك، لم تستطع الديمقراطية أن تتربع على عرش أوروبا، حتى استبعدت من ظنوا أنهم ظل الله على الأرض، من باعوا جنة الله بالأمتار، من غفروا ذنب المسيحي بوصل يُدفع ثمنه مقدمًا.

وهل تنجح الصيغة السياسية المُفلسة؟ قطعًا لا، الاقتصاد مهم لإعادة هيكلة المجتمع، لذلك تحرك المجتمع الأوروبي في مسار الثورة الصناعية بعد تكديس رأس المال، فقد جمع فرانشيسكو بيزارو أزيد من 40 طنًا من الفضة من هضبة سيرّو ريكو في تشيلي، وجمع كولومبوس ذهب الهنود في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن خدعهم بسرقة القمر منهم ليلة الخسوف.

قلب رأس المال أوروبا رأسًا على عقب، وأصبح اهتمام الجميع اقتصاديًا، وهو ما جعل الحروب الدينية تتوقف، فلن يكون هناك وقت يمكّنك من تكفير غيرك إن كنت تدير مشروعًا رأسماليًّا، فهذه المذابح المغطاة بالدين لا تحدث لا عندما تسير البطالة في كل سوق، فلا تسوّق للناس إلا العنف.

بدأت عجلة الديمقراطية تدور بدوران المال، فلن يسلّح رجال أوليفر كرومويل – في أول ثورة على الملوك – سوى الرأسمالية، فسلحت وأطعمت وكست جيشه من البرلمانيين لإنهاء عهد الحكم الفردي وزمن الإقطاع البدائي واستبداله بعهد الإقطاع الحديث (الرأسمالية)، فلم يكن إسقاط الملوك و صعود نجم الديمقراطية رسالة إنسانية خالية من أي استغلال، بل كانت رسالة المؤسسات الرأسمالية العابرة للقارات الخالية من الإنسانية نفسها، فبعد سقوط الملك تشارلز في بريطانيا توصّل جايمس واط إلى اختراع المحرك البخاري، وتغيّرت خريطة اللعبة، وأصبحت الديمقراطية صيغة استحقها الغرب بعرق جبينه. 

إننا اليوم نريد سرقة ثوب الديمقراطية الذي يغطي القارة الأوروبية سياسيًا لكي نستر به مؤسساتنا السياسية العارية، ونكسي دكتاتورياتنا بأبهى الكلمات عن الديمقراطية والانتخابات وسلطة الشعب الذي لم يحكم يومًا ولا أخذ السياسيون رأيه أبدًا.

فمثلًا، يتحدث النظام الإيراني عن انتخابات نزيهة، وهي فعلًا نزيهة مقارنة بمن لا يملكها، مثل السعوديين، فقد تحصل حسن روحاني على 62% فقط من الأصوات، ولكن هذا لا يعني أن الحكم للشعب الإيراني، فلو أخذت السلطات رأي الشعب في مسألة معينة لاكتشف أن الشعب لا يريد أمورًا هي مفروضة عليه، مثل الحجاب، فأكثر من نصف الشعب الإيراني من النساء، ولم يردن ارتداء الحجاب، ومنهن من هن في السجون بسبب خلعه، والمفارقة أن المرأة تستطيع أن تُحدث فارقًا في ميزان الأصوات بتصويتها في نظام انتخابي حر، مع تقييد أفكارها بأصفاد التيار المحافظ الديني.

إن الديمقراطية ليست لنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد