نشهد في جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) التي أوقفت الأعمال وعطَّلت العالَم، وجعلته في حالة من الإغلاق التام، كيف ارتفعت نسبة الفقر وانهارت الكثير من العائلات ذات الدخل المحدود إلى ما تحت خط الفقر، لاسيما أولئك الذين يؤمِّنون متطلبات الحياة يومًا بيوم، ولا يسمح لهم مردودهم المادي بالادخار لأوقات الشدة، ويعملون في بيئة لا تجري فيها قوانين تحمي الموظفين والعاملين من استبداد أرباب الأعمال، أو تدير العلاقات بين الموظف وصاحب العمل بطريقة تكفل حقوق كلا الطرفين.

في مثل هذه الظروف يُعوَّل كثيرً على الجانب الإنساني في المجتمع لتخطي الأزمة الطارئة، ويكون هو الرهان الأكبر، أي التضامن بين أبناء الحي الواحد والبلد الواحد، وهذا ما يمكِّن المجتمع (عن طريق التكافل الاجتماعي والإنساني) في مثل هذه الأزمات من الحفاظ على نسيجه وتركيبته الطبقية، بحيث لا تتسع طبقة على حساب أخرى، ولا ينهار أي قسم من أقسامه، ويبقى كالجسد الواحد يداري بعضه بعضًا.

ولا أجد مثالًا أقرب على ما نعيشه اليوم أو أفضل من أحداث «الإضراب الستيني» الذي وقع في سوريا عام 1936 ضدَّ الاحتلال الفرنسي، وشارك فيه جميع أبناء الشعب السوري في حينها، أوضِّح به أهمية تعاون أفراد المجتمع، والتكافل في ما بينهم لأجل اجتياز أي محنة.

يذكر أكرم الحوراني، في القسم الأول من مذكراته إضراب الستين يوم فيقول: «بدأت ثورة عام 1936 بحملة احتجاج قادها فخري البارودي ضدَّ شركة كهرباء دمشق؛ لرفعها تعرِيفة الترامواي نصف قرش، من هنا انطلقت شرارة أعظم إضراب وأطول موجة احتجاج جرت في العالم حتَّى ذلك الحين، فما إن أُعلن الإضراب العام، وقامت التظاهرات في دمشق حتَّى عمت المدن السورية جميعًا، وفورًا انقلب الاحتجاج على شركة الكهرباء إلى المطالبة بالاستقلال».

ويكمل الحوراني مستطردًا بالحديث عن العمليات الثورية، والمناوشات التي حدثت بين الدمشقيين وقوات الاحتلال الفرنسي، وينتقل بعدها إلى ما فعله أبناء الشعب السوري من أعمال تعاونية مبهرة فيما بينهم، وما أعطوا للعالم حينها من دروس عظيمة:

«استمرت هذه المعارك ستين يومًا، وتشكَّلت في جميع أنحاء البلاد المضربة لجان شعبيَّة تولت عمليات التموين وجمع التبرعات وتوزيعها، وكان التجار والأغنياء أسخياء في تبرعاتهم، وأعلن كثير من أصحاب بيوت السكن أنّهم أعفوا المستأجرين من دفع الأجور طول مدة الأضراب، ومرَّّ عيد الأضحى والمدينة مغلقة، فتبرَّع الأطفال بعيدياتهم لأبناء الشهداء وللعائلات الفقيرة، وقرأنا في الصحف أنَّّ أطفال ملجأ الأيتام قد جمعوا كل ما لديهم من أموال، فبلغ المجموع ليرتين سوريتين، فتبرَّعوا بها للحركة الوطنية».

ويختم سَردَ صور التعاون والتكاتف الرائع الذي كان ينبع من القيم والعادات الراقية التي يتمتع بها الشعب السوري، فيقول: «ومن أطرف ما حدث أنَّ رئيس عصابة للنشل والسرقة، وقف في الجامع الأموي معلنًا التوقف عن العمل طالما الإضراب قائمًا والمظاهرات مستمرة. فلم تقع أيَّة جريمة، في جميع أنحاء البلاد خلال شهري الإضراب».

في زمن الوباء الآن، نرى العديد من المبادرات الإنسانية، والعديد من أنواع التضامن الاجتماعي لكنَّها خجولة جدًّا، وأثرها لا يكاد يُرى، وليست بالقدر الكافي الذي يستطيع المجتمع الاستعانة به لتخطي هذه الأزمة فضلًا عن أن يكون هو المُعوَّل عليه في المقام الأول. فقد تراجع ذلك الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر لدى الكثير، وضعفت وخفتت صورة المجتمع الواحد المتعاضد المتكاتف الذي لا ينام فيه الجار حتَّى يطمئن على جاره، في أذهان الناس. وهذا نتيجة حتمية لسياسات النظام الرأسمالي الذي عمل جاهدًا على تغذية النزعة الفردية في الإنسان، ومحاولة سلخه عن المجتمع المحيط به، ليكون بذلك كيانًا استهلاكيًّا ماديًّا بحتًا ومستقلًّا بذاته، لا يهتم إلا بشؤونه الشخصية وغرائزه الجسدية.

فبحسب الرأسمالية، إنَّ النّاس في المجتمع الواحد مشتركون جميعًا بحقّ العلو وحقّ السقوط (بغض النظر عن نوعية الفُرص والإمكانيات عند كل فرد)، ويعني ذلك أنّ الشخص الذي لا يستطيع أن يكون عنصرًا فعّالاً وقادرًا على كفاية نفسه يجني ثمار فشله وكسله، ويجب عليه أن يتحمل تبعات فشله لوحده؛ فالمجتمع الذي تطاول بالبنيان، وانتشرت فيه مطاعم ماكدونالدز، لا يمكن أبداً أن يتحمَّل تبعات إخفاق أيِّ أحد. هنا نلحظ وبوضوح مخالب الداروينة الوحشية التي طالت حتَّى الصعيد الاجتماعي، ودخلت حيز التطبيق على البَشر مع التجاهل المتعمد للاختلاف بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى عند دارون. أصبحت النظرية بمثابة إنجيل علمي لدى النظام الرأسمالي، يُبيح له إقامة قانون الغاب بين الناس، حيث يضع الضعيف في مواجهة القوي ويكتفي بالمشاهدة.

في نظام كهذا، تصبح القيمة المادية والربحية أهم بكثير ممَّا سواها، وهذا ما نراه واضحًا في سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المستهترة في التعامل مع جائحة فيروس كورونا، والتي تسببت في وصول أمريكا إلى أعلى نسبة في الإصابات عالميًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد