تنقسم السنة بحسب روايتها إلى: سنة متواترة – سنة مشهورة – سنة آحاد.

السنة المتواترة: هي ما رواه عن رسول الله جمع يمتنع عادة أن يتواطأ أفراده على كذب لكثرتهم وأمانتهم، ثم رواه على الجمع جمع مثله، وعن هذا الجمع جمع آخر، وهكذا حتى وصلت إلينا بسند كل طبقة من رواته جمع لا يتفقون علي كذب من مبدأ التلقي عن رسول الله حتى وصلت إلينا، ومن هذا القسم السنن العملية في أداء الصلاة والصوم وغير ذلك من شعائر الدين، التي تلقاها المسلمون جموعا عن رسول الله ولقونها جموعا أخر دون خلاف عليها مع اختلاف الأعصار وتباعد الأمصار.

السنة المشهورة: هي ما رواه عن رسول الله صحابي أو أكثر دون أن يبلغ الرواة حد التواتر، ثم نقلها عن الراوي أو الرواة جمع من جموع التواتر، وتناقلها عن هذا الجمع جموع أخر حتى وصلت إلينا بسند أول طبقة فيه فرد أو أفراد لا يبلغون حد التواتر وباقي طبقاته من جموع التواتر، ومن هذا القسم ما رواه عمر وإبن مسعود وغيرهما من الصحابة.

سنة الآحاد: هى ما رواه عن الرسول آحاد أو جمع لم يبلغ حد التواتر وتناقلها عن هؤلاء أمثالهم من الآحاد أو الجموع التي لا تبلغ حد التواتر حتى وصلت إلينا بسند طبقات الرواة فيه آحاد أو جموع لا تبلغ حد التواتر.

فهذا القسم الأخير هو سبب الخلاف والصدع الكبير بين الفقهاء وأهل الحديث، فيعتمد الفقهاء علي كثير من الأدوات لاستنباط الأحكام ومن هذه الأدوات، دلالات القرآن القريبة والبعيدة والقياس والبحث في علة الأحكام والجمع بين الأدلة ومحاولة معرفة الزمن الدقيق للأحداث لمعرفة الناسخ من المنسوخ، فهم لا يتعاملون مع الأحاديث باعتبار سندها هو المعيار الوحيد للصحة بمعزل عن المتن، فقد يصح عندهم السند ولا يصح المتن، فقد يكون السند صحيح والمتن به علة قادحة، وهو ما يرفضه أهل الحديث، فهم ينكفئون على صحة السند وعندهم هو المعيار الوحيد للحكم الشرعي، لذلك نرى تأويلات أهل الحديث البعيدة عن ظاهر الأحاديث الغريبة، ليتوافق متن الحديث مع ظاهر الشريعة وسمتها العام، ولكن يجب أن يعلم أهل الحديث أنه لا فقه بغير فقه الحياة نفسها ومعرفة علومها وتطورها الاجتماعي ولا فقه بغير تدبر القرآن، فكثير من أهل الحديث يتخطف الأحكام من ظاهر أحاديث الآحاد دون تدبر فيشقى وتشقى معه البلاد والعباد.

وكثير من الفقهاء يخطئون أيضا برد أحاديث صحيحة المتن والسند لمجرد أن عقلهم لا يقبلها وهذا أيضًا خطأ. وهو باختصار ما رأيته خلال حياتي مع السلفيين وفقهاء الأزهر، وهى صورة تجسد الخلاف الأزلي عند المسلمين. فمشكلة المسلمين الأزلية هي مشكلة فكرية في المقام الأول.

فما تأخر المسلمون علميا وفكريا وسياسيا إلا لأن الشعوب خرجت من معادلة الحكم، وما أخرج الشعوب من هذه المعادلة إلا الفكر وضيق الأفق، فما أخرج الشعوب من هذه المعادلة وما مكن وقدس الحاكم الوريث المغتصب للسلطة المسمى خليفة من رقاب المسلمين إلا فكر الفقهاء في عصور غابرة، ملكت السفهاء والضعفاء والخائنين من رقاب الأمة.

ولا نقصد هنا الحقبة النبوية وما يعقبها من سنوات حكم أبي بكر وعمر وعثمان. لكن الحقيقة أن تاريخنا مليء بالوهن والضعف والهزائم والمجاعات والخيانات والانقلابات، كل هذا بسبب فساد نظام الحكم عند المسلمين.

الذي لم يضع رقابة على الحاكم ولم يقيد من سلطاته ولم يضع الرقابة على المال العام ولم يضع نظاما للتداول السلمي للحكم، بل وعمل على تقنين التوريث والانقلابات، فكان الفقه ضد إلزامية الشورى، فكل هذه الكوارث كان يدعمها الفكر (الفقه).

فلم تتأخر أمة بسبب التأخر في علوم الطب وعلوم الفلك بل يأتي التأخر دائما بسبب فساد نظام الحكم الذي يفسد كل العلوم بل ويفسد الفطرة الإنسانية.

يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في قول الله تعالى (أفغير الله أبتغى حكما):

«هذه الآيات وما في معناها تدمغ ببطلان نوع الحكم الذي يخدعون به الناس ويسمونه (الديمقراطية) إذ هى حكم الأكثرية الموسومة بالضلال، فهي حكم الدهماء والغوغاء».

ويقول الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد:

«الديمقراطية تقدس الأغلبية الغثائية بينما يستشار في الإسلام أهل الحل والعقد في الأمور التي لا نص فيها صحيح صريح».

فهذا الكلام غير منضبط بالمرة فلم تكن أكثرية المؤمنين مذمومة في القرآن كما أوضحت قبل ذلك فى مقال (مغالطات فقهية وتاريخية).

ثانيا لم يكن عوام المسلمين دهماء وغوغاء، فما خير العامة في أمر بعد الربيع العربي إلا وكان التصويت والاختيار هو الاختيار الصحيح والأفضل.

أما ما يصدر لنا من أفكار عن أهل الحل والعقد فقد تعقبت هذه الفكرة في كل الكتب ولم أقف علي تصور معاصر محدد لهذه الفكرة، بل إنها لا تصلح نظاما للحكم بعد الخلافة الراشدة ولو كان لها تصور جدلا.

فكان المقدم لنا من قبل الفقهاء ما هو إلا طلاسم أشد تعقيدا من طلاسم السحر

نستعرض رأيًا أخر للأمين الحاج محمد:

«فكما أنه لا جديد في الوضوء والتيمم والغسل والصلاة والحج والزكاة، كذلك لا جديد في التشريع والحكم والسياسة الشرعية ولا في كيفية اختيار الحاكم».

ولا أعلم كيف يقول الشيخ الأمين الحاج مثل هذا الكلام وهو من هو؟!

فقد جعل التشريع الثابت بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة مثله مثل اجتهادات أبي بكر وعمر في اختيار الحاكم، كيف يكون حكم الله وبلاغ رسوله مثل اجتهادات الصحابة؟

فلو كانت المقارنة بين حكم مستقى من نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة مع حكم مستقى من نص قطعي الثبوت ظني الدلالة لكنت قائل هذه جريمة في حق الشريعة.

فما بالنا بمقارنة نص شرعي قطعي الثبوت قطعي الدلالة باجتهاد الصحابة؟

ورغم ذلك أنا لست مع الديمقراطية في حق الشعوب في التصويت فيما لا تملك حق التصويت فيه وأقصد هنا الأحكام الربانية، ولكن هناك مساحات مشتركة كثيرة يمكن أن نلتقي مع الديمقراطية فيها.

إن المسلمين يفتقدون الى الحكمة، فالاختلاف يقتلنا والتنطع يهلكنا وضيق الأفق يؤخرنا. فما رأيت أضل من المسلمين في العلوم السياسية ونظام الحكم، فلا يعرف فقهاء المسلمين شيئا عن سيكولوجية الديمقراطية والذكاء الموزع ومعجزة التجمع والذكاء المجسم لذلك يتهمون العوام بصفات كالدهماء والغوغاء وغير ذلك وإلى الله المشتكى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد