لا يخفى على الباحث العاقل، والذي يفكر بعمق وهدوء في قضايا وأحداث المنطقة، أن حربًا بين دول الخليج قادمة لا محالة. وكذلك فإن هذه الحرب كالعادة ستجلب قوى عالمية وإقليمية للتدخل في شؤون الحرب وعواقبها. متى تحدث؟ الله تعالى وحده أعلم، ولكن الجريان العام والجلبة الراهنة، يتجهان نحو هكذا مصير مرعب.

المهم الذي يجب أن ننتبه إليه، هو أنه في كل دولة خليجية، يشكل الأجانب الغالبية العظمى باستثناء السعودية. مِن هؤلاء الأجانب مَن قضى عشرات السنين في الإقامة دون الحصول على الجنسية، خلاف القوانين المعمولة بها في الدول الغربية.

منذ سنين، بدأت نار الأحقاد والضغينة البوذية والهندوسية، في آسيا، ضد المسلمين. وهناك أعداد ضخمة من البوذيين والهندوس في دول الخليج، لذلك فإن القوى العالمية، لا سيما الغربية، ستستخدم وجود الغالبية الأجنبية في بلدان الخليج، ليتحولوا إلى ميليشيات مسلحة مدعومة من دول آسيوية وطوع بنان السيد الغربي (الأمريكي والبريطاني). ولن يكون هناك أسهل من نقل المسلحين الآسيويين الحاقدين إلى منطقة الخليج عبر البحار. وسيتولى الغرب المهمة في الوقت المعلوم، وستتعاون معها تلك الدول الآسيوية التي تحارب مواطنيها المسلمين. وسيثير الغرب ودول آسيا حتمًا قضايا حقوق الإنسان للأجانب المقيمين في دول الخليج، مما يؤدي إلى إصدار فرمانات لا مفر منها، وهي تجنيس هؤلاء في كل دول الخليج، وحينئذ سيشكلون الأكثرية. في الوقت الحاضر، يشكل الكويتيون ربع السكان مقارنة بالأجانب المقيمين، والقطريون من سدس إلى ثمن السكان، والبحرينيون حوالي 45% (مع الأخذ في الحسبان انقسام المجتمع بين السنة والشيعة)، والإماراتيون حوالي 15% (وهناك أكثر من نصف مليون إيراني بين المقيمين)، والسعوديون حوالي 65% (مع أقلية شيعية ملحوظة)، وأخيرًا العمانيون، يشكلون حوالي نصف السكان والبقية أجانب. بالنسبة لعمان، علينا أن لا ننسى أنهم ليسوا على المذهب السني بل الإباضي.

وحين تحدث الحرب، ستتدخل القوى العظمى، وستـتوزع المناطق محكومةً من قبل الميليشيات البوذية والهندوسية والمرتزقة، تحت لواء الأمم المتحدة والدول الغربية. أما روسيا، فسيكون لها نصيب مع إيران في تقسيم الكعكة. ولربما ستكون عمان والبحرين من نصيبهما (مثل سوريا اليوم)، مقابل المناطق الأخرى التي ستكون من نصيب أمريكا وحلفائها، على غرار اتفاقيات القرن العشرين مثل سايكس بيكو. ولا ضير في اشتراك إيران في هذه التقسيمات، ما دامت مصلحة القوى الخارجية تستدعي ذلك. فإيران تشترك مع روسيا في سوريا، وتشترك مع أمريكا في العراق. لذلك ستتعامل روسيا ودول الغرب سوية (ومن ضمنها إسرائيل) مع الوجود الإيراني، من زاوية المصلحة الواقعية، لأنه وجود يخدم هذه القوى (تشترك روسيا والغرب في المعاداة ضد الإسلام السنّي، ولهما تأريخ طويل في التعاون مع الشيعة). لهذا، فلا استغراب إذا وجدنا إيران تشترك مع أمريكا في تقسيم السعودية والكويت مستقبلًا، ومع روسيا في السيطرة على عمان والبحرين، تمامًا كما حدث في سوريا والعراق، حيث تنفرد الأقلية العلوية بحكم سوريا والشيعة بحكم العراق، وكلاهما خاضعان لحكم ولاية الفقيه بطهران. النظام العلوي في سوريا متحالف مع روسيا، والنظام الشيعي في العراق متحالف مع أمريكا. هذان التحالفان المتناقضان في الظاهر، وجدا انسجامًا وتناسقًا تامًا تحت المظلة الإيرانية. وهذه الأنظمة المذهبية في إيران والعراق وسوريا متعاونة في ما بينها تحت المظلة الروسية-الغربية المشتركة. والغرب هنا، كناية عن أمريكا وبريطانيا وأوروبا الغربية و معها إسرائيل. وهناك تعاون وتفاهم وثيق بين إيران وأنظمة آسيوية معادية للمسلمين، مثل الصين وميانمار…إلخ. 

وبسبب تنامي الأحقاد ضد الإسلام والمسلمين، فلن يكون مفاجئًا أن تصدر آنئذ قرارات أممية تدين الإسلام السنّي تحديدًا «كمصدر للإرهاب»، وبالتالي القيام بشرعنة إزالة أي شيء يمت بصلة إلى هذا الإسلام ومحوه. وستتكرر قوانين محاكم التفتيش القروسطية، ولكن بطريقة أكثر ديبلوماسية ونفاقية. وحينئذ، لن يكون مستبعدًا أن تهاجم الميليشيات المسلحة المتعددة الجنسيات، التي ستـتـكون في الظروف التي ترافق الحرب بين دول الخليج، أقدس أماكن المسلمين في مكة والمدينة وتخريب الكعبة المشرفة «وسيتصرف الغرب بنفاقه المعهود، وهو حث الجميع على ضبط النفس واحترام قوانين حقوق الإنسان: القصد في هذا، هو القوانين التي سنها الغرب، ومعناه، أن الآخرين متوحشون لا قانون لهم في احترام حقوق البشر». وفي ظل هكذا واقع، لن يكون بمستغرب أن تسيطر القوى الخارجية على مكة والمدينة، وتحويل شعائر الإسلام هناك إلى أضحوكة أمام العالم. مجريات الأحداث تشير فعلًا إلى هكذا اتجاه، يغفله أغلب المسلمين والعرب.

وستتحول الفضائيات، التي تبث من تلك الأصقاع، إلى ذكريات عابرة. أنصح الذين يقيمون في دول الخليج، أن يشتروا لأنفسهم بيوتًا في أصقاع بعيدة. فأنابيب ومصادر الطاقة مأمونة ومحمية، ومحفوظة، لدى قواعد عسكرية غربية تنتشر في الخليج منذ عقود. ليس بمستطاع شعوب المنطقة، الملتهية بالقوت والغذاء، الاقتراب منها. أما المساحات الأخرى، فهي تلك المناطق التي يراد لها أن تشهد الحروب، لتحويل الأكثرية المسلمة إلى شتات من اللاجئين على غرار السوريين والروهينغيين والشعوب المسلمة الأخرى. والأجانب خير وسيلة لتحقيق أهداف وغايات منوعة للقوى العظمى، عبر تشجيعها وتأليبها، بحجة نيل حقوق المواطنة، وبوصفهم أنهم هم الذين بنوا البلاد بتعبهم وعرق جبينهم. وستتغير التركيبة السكانية في أقدس مناطق الإسلام. ورويدًا رويدًا، سيتحول المسلمون إلى أقليات مطاردة ومنبوذة وخائفة، ومتحولة إلى أديان أخرى. آنئذ لن يبقى لنا شيء سوى أن نضحك على ذاكرتنا المليئة بهوامات الجماعات الإسلامية، أن الإسلام من أسرع الأديان انتشارًا في العالم، وأن العالم الغربي مقبل على الإسلام!

هناك مسألة لم تحظ بأي اهتمام إعلامي وفكري وأكاديمي بين العرب والمسلمين، وهي مسألة تنامي العداء في الدول الآسيوية ضد الإسلام والمسلمين. في الواقع هناك أياد غربية واضحة خلف هذا العداء، ولكن بسبب تشابك هذا الموضوع، فسأتناوله في مقال مستقل لاحقًا.

أموال دول الخليج والدول المجاورة ذهبت لعقود هباء منثورًا، وهناك أسلحة بالية مكدسة منذ عقود لا تصلح إلا للحروب الداخلية بين قوى متكافئة تتصارع لسنين، حتى يتحول البلد إلى خراب، ثم يظفر من هو المفضل لدى القوى الخارجية المعادية لشعوب المنطقة. مثال سوريا سيظل الأوضح لشرح هذه الخفايا. وهذا هو سر تسابق دول الخليج والمنطقة على شراء الأسلحة، التي تعتبر في الدول المصنعة لها موديلات قديمة!

من هذه المعطيات والمؤشرات، نستطيع أن نقرأ مستقبل المنطقة، وتحديدًا مستقبل دول الخليج. للمزيد من هذا الموضوع يستطيع القارئ العودة إلى مقالنا بعنوان:

بكائية على أطلال المستقبل: أرقام وحقائق الأموال التي دفعتها الدول العربية لشراء الأسلحة من الدول المصنعة لها (الحلقة 2).

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد