(يريدون القضاء على خطبة الجمعة وصلاة الفجر والمصحف الشريف).. بهذه الكلمات القوية يتبارى خطيب الجمعة بمسجدنا القريب بما تتميز به الأمة الإسلامية من منح ربانية يحسدنا عليها اليهود والنصارى الذين يتمنون زوالها.

هذا الفخر بديننا الإسلامي الحنيف مطلوب بلا شك، ولكن الفخر بصلاة الجمعة وحشود المصلين بها أصبح دربًا من الشكليات ليس إلا.

فمنذ أن قرر محمد مختار جمعة وزير الأوقاف بحكومة شريف إسماعيل توحيد موضوع خطبة الجمعة بتوحيد موضوعها وعناصرها ومُدتها مع اختيار موضوعات موجهة لخدمة النظام السياسي فيما يطلب، وأخرى متعلقة بالمناسبات على طريقة (الفلكلور) الشكلي للحديث عن إحياء المناسبات الدينية دون إسقاطها على الواقع.

هذا القرار حول خطبة الجمعة إلى نشرة تقرأ على المصلين بها توجيهات سياسية وأخرى عاطفية، وأصبح المصلون يبحثون على خطيب لا ليقوم بالخروج عن النص وتقديم ما يخدم المجتمع، ولكن ليقوم بأقصى ما يمكنه تقديمه من خطبة هدفها فقط دغدغة مشاعرهم بقوي الكلمات التي تشبه السياط التي تؤلم وقت وقوعها على الجسد، ولكن سرعان ما يزول الألم والأثر بانتهاء الجلد، لكونه مقيدًا بموضوع وعناصر لا اختيار له في تغييرها لتلائم واقع المجتمع.

أمر خطبة الجمعة عبر التاريخ يؤكد مكانتها في نفوس المسلمين والعلماء والقادة، فهي المحركة للمصلين والدافعة لهم، وقد كانت أهم دافع للأمة في مقاومة المحتل ومصدرًا للإلهام والشحن المعنوي للتضحية والفداء، وهي كذلك مصدر للزاد العلمي للبسطاء ممن لا يجيدون الإطلاع والبحث عن أمور دينهم، وهي أيضا علامة تلاحم جميع فئات المجتمع فهي تجمع الرجال والشباب والأطفال والنساء وبمثابة اجتماع أسبوعي وعيد يتجدد كل جمعة.

ما قام به مختار جمعة جريمة بكل ما تحمله الكلمة، وكفيلة بمحاكمته بخدمة أهداف الصهيونية – دون مبالغة – بقراره توحيد الخطبة وتقييد الخطباء وتحويلها لنشرة بمعنى الكلمة، الذي لا يخدم سوى أعداء الأمة ممن يواصلون خططهم لإحداث الهوة بين المسلمين وبين دينهم بالأفكار تارة وبالموضة تارة وزرع القادة أيضًا، وأخيرًا بتحويل كل الشعائر إلى طقوس فلكلورية لا تسمن ولا تغني من جوع.

خطورة ما قام به مختار جمعة دفع مفكرًا كبيرًا بقامة الأستاذ فهمي هويدي للحديث عن تلك القضية، مؤكدًا أن توحيد الخطبة في جميع مساجد مصر أمر سخيف، حسب تعبيره.

وأضاف في حديثه لبرنامج (بتوقيت مصر) المذاع علي قناة (بي بي سي) العربية، أنه من السخيف توحيد الخطب في أنحاء مصر، فكيف يستمع الشعب بأكمله لخطبة واحدة، وأكمل: أنه من المؤسف أن نخلط موضوعات سياسية بخطبة الجمعة، فيجب الفصل بينهما؛ لأن لكل حديث موضع، ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن الخطيب هو بمثابة ضمير المجتمع، ولابد أن يلتزم بالجانب الديني والهداية، لا أن يكون محللا سياسيًا، انتهى.

إن عددًا ليس بالقليل من الكتاب والإعلاميين في مصر قد هاجوا على مختار جمعة منذ أشهر لقيامه بتوظيف ابنته الحاصلة على ليسانس الآداب لدى وزارة البترول، معتبرين ذلك استغلالًا للمنصب وفسادًا يجب محاربته، وهو كذلك بالفعل، ولكن أليس إضاعة خطبة الجمعة التي هي مصدر التفقه في الدين، وركن أصيل للأمة من ميراث النبوة، جريمة يجب المحاسبة عليها.

انتهيت من كتابة المقال وفكرت في جدوى البلاغ إلى من سأقدمه؟ إلى النظام الذي يبارك ما يقوم به مختار جمعة، ويُصر على بقائه بمنصبه، بالرغم من اتهامات الفساد المالي والإداري التي وجهت له؟ أم إلى الأزهر الذي رفض توحيد الخطبة، ولم يتمكن من فرض كلمته في إلغاء قرار مختار جمعة؟

بلاغي إلى الأمة.. خذوا حذركم واعلموا أن عرى الإسلام واحدة، إذا انفكت واحدة انفرط عقد الإسلام.

لا أدعوكم إلى مقاطعة خطبة الجمعة؛ فهو الهدف من كل ما يقومون به، يريدون أن يهجر الناس المساجد، ولكن اصبروا وقدموا النصيحة للخطباء وذكروهم بأمانة الدعوة إلى الله، وأن ما استعملهم الله فيه ليست وظيفة، وإنما رسالة وأمانة سيحاسبون عليها حسابًا عسيرًا أمام الله.

وعلينا كأفراد ننتمي إلى الإسلام الحنيف أن نعوض ما نفتقده من خطبة الجمعة، سواء بمطالعة تراث الخطب الإسلامية بمكتبات الفيديو عبر المواقع الإلكترونية، إضافة للبحث عن الخطباء الربانيين في مصر وفي الدول الأخرى، والاستفادة من خطبهم التي أصبحت سهلة التداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتجميع الأسرة على خطبة منتقاة كل أسبوع، واستعراض الدروس المستفادة منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد