العلاقات في حياة البشر شيء مميز جدًا وعبء كبير جدًا عليهم بالوقت نفسه، لا يمكن أن تحقق شروط كونك إنسانًا بدون أن تحقق هذه الفكرة العظيمة والبسيطة المعقدة؛ وهي ألا تكون وحدك في هذه الحياة، فعلًا غريب كونه شيئًا مهمًا جدًا في حياتنا، بل هو جزء من الكيان البشري ومع ذلك هو أكثر ما نفشل به في حياتنا أن تبني علاقة، وهل يعقل أن يولد الإنسان لوحده وألا يرتبط بذلك الشخص الذي أنجبه لتتوسع بعد ذلك دائرة العلاقات التي تبنى بدون أن يكون لك القرار في الاختيار.

لذلك يبدو أنه في بعض الحالات ألا تكون مخيرًا، هو شيء يجعلنا نستمر في الحياة أكثر ولكن المخيف أن كل تلك العلاقات التي لم يكن لنا قرار فيها ستصبح هي الأساس التي يبنى عليها أي علاقة عندما يكون لنا القرار في الاختيار. فتلك النفس قد حصلت على هيئات معينة للشخصيات المناسبة لنا، وبالتالي ما يناسب هذه الهيئات في المستقبل سيكون لها النصيب في أن تكون علاقة وما لا يناسب هيئات الماضي لن يكون لها أي أمل في أن تصبح علاقة، ولكن هل هذا تعميم؟ بالتأكيد لا فعندما تكتشف أن تلك الشخصيات من البشر الذين كانوا هم الأساس لا يمكن لهم أن يكونوا أساسًا أو لنقل أصبحوا لا يناسبون المعايير التي تتجدد في حياتنا باستمرار؛ خاصةً أولئك الاجتماعيين جدًا فهم سيتوفر لهم الكثير من عينات الاختبار لاختيار الأفضل وأحيانًا قد يكون على حساب علاقات الماضي التي لم يكن لنا القرار في اختيارهم وبالتالي سنجد أنفسنا في منعطفات كثيرة في عالم العلاقات في حياتنا.

ولعل هذا ما يفرق بين الناس فذلك الذي سمح لنفسه أن يُدخل الكثير من الناس لحياته، ليقيم ويحلل ويتخذ بعدها القرارات المناسبة ستكون لهم الخبرة الكبيرة في النجاح باختيار العلاقة المثالية على المدى البعيد. فهي باختصار ستكون كأنك جربت قدرًا جيدًا من الأطعمة لتصبح متذوقًا جيدًا، فأنت في النهاية لست بحاجة لتجرب كل أنواع الطعام، ولكن سيكون هناك قدر معين من الأطعمة التي وأنت تضع تلك اللقمة في فمك تفكر في كيفية تشكلها، وما هو المزيج الذي جعلها بهذا الشكل وبعد قدر معين من التذوق من الطعام نفسه، ستعرف بالتأكيد على الأقل المكونات الرئيسة، وسيبقى هناك بالتأكيد المكون السري الذي لا يعرفه إلا الطباخ نفسه، وقد يخبرك به وقد لا يخبرك، وإلا لن يكون مكونًا سريًّا.

وهكذا بالضبط حياتنا تسير مع العلاقات نحاول دائمًا اكتشاف المكونات الرئيسة التي تشكل الشخصية وبمرور الوقت والتعرف أكثر وأكثر ومواقف تلحقها مواقف لنعرف بالنهاية كيف تشكلت هذه الشخصية، ونقصد هنا المكونات الرئيسة طبعًا، ولا ندعي أننا سنعرف الشخص ففي النهاية كما قلت دائمًا هنالك مكونات سرية لا يمكن أن نعرفها إلا إذا أخبرنا صاحب الوصفة بها.

ولكن المشكلة تكمن في ذلك الطبق الذي لا يمكنك إلا عند أول لقمة تتذوقها تجد نفسك تقذفه من فمك أو أنك لا تستطيع بلعه أو أنك تجد نفسك لا تتقبل الطعم مع أن الجميع حولك يجدونه لذيذًا بل إنه طبق مميز، ولكن بالنسبة لك ليس لديك أي مبرر لماذا لم يعجبك الطعم وأحيانًا يكون الطعم مرتبطًا في هيئات الماضي التي لا يمكنها أن تغيب عن عقلك الذي يحفظ كل شيء؛ خاصةً بالعلاقات فهو لا ينسى فقد طبع وحفظ ليذكرك دائمًا أنه تذكر أننا لا نحب ذلك الطعم، وعندها إما تقرر أنه لا يجب أن تتذوق مرة أخرى أو تجرب مرة أخرى؛ لأنه ليس لديك بديل، وبالتالي تعتاد على الطعم فلا ينفره عقلك ويتقبله ولكن هل فعلًا سيكون طعامًا مميزًا بالنسبة لك أم أنه مع أول طبق ألذ أو طبق يتقبله لسانك وعقلك ستترك ذلك الطبق الذي أجبرت عليه، فعلًا إنه لأمر صعب ولكنها تضحيات مهمة لتكون متذوقًا جيدًا والمعضلة الأكبر هو عندما تصبح متذوقًا جيدًا، لتكتشف أنه دائمًا هنالك نواقص ولا وجود لطبق مثالي وتتحول من متذوق جيد يرى الطعام كأنه شيء عظيم ومميز يجب أن تجرب الجديد دائمًا إلى رؤية الطعام، مجرد شيء مهم في حياتنا نحتاجه لنكمل يومنا، ولا يهم الطعم أو اللون أو الرائحة أو حتى لا تهتم أبدًا بمعرفة المكونات الرئيسة للطبق، والأكثر صعوبة هو عندما لا تهتم حتى بالمكون السري عندها فعلًا ستكون بمشكلة؛ فأنت عندها فقدت واحدًا من أهم وأجمل الأمور في حياتنا وهو الشغف للتعرف على المزيد في العلاقات. ويتحول هذا الشغف إلى برود قاسٍ لا تهتم بالآخرين، لا تبالي بأي جديد حولهم، وإن عرفت جديدهم بالصدفة لا تبدي أي ردة فعل لعلنا رجعنا للكلام الصريح حول العلاقات، ممكن لأن الحديث عن الأكل يجعلك تجوع، بالمناسبة حتى في اشد لحظاتك برودًا، وفقدانك للشغف تكون مدركًا جيدًا احتياجك لهم في حياتك حتى لو لم تُظهر لهم ذلك ولكنك تدرك جيدًا أنك بحاجة لهم مهما حاولت الإنكار، فهم في النهاية الطعام الذي يغذي جسدك، هي كذلك العلاقات تفعل في حياتنا ولو حاولت الصيام لن تصمد كثيرًا، ففي النهاية ستحتاجهم لكي تعيش هل عرفت الآن لماذا الإنسان أضعف بكثير مما يظن نفسه حتى لو تظاهر بالقوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد