طالما تكثُر الادعاءات عن وجود نظرية المؤامرة في المُجتمعات العربية، ونرصُد ذلك بدءًا من أصغر الأحداث حتى أكبرها، من المُمكن أن يتم التآمر على شخصية مشهورة لمُجرد أنها عربية أو يتم التآمر على مُجتمعٍ كامل لمُجرد أنهُ مُسلم.

«وجهة النظر هذه يتناقلها المُجتمع العربي في المقاهي والحوارات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عند حدوث حدث مُعين يمسُ انتماءهم أو أحد الشخصيات التي تُمثلهم».

وكأنهم يحاولون تبرير كُل إساءة أو فشل أو خسارة يمرون بها هُم أو أحد مُمثليهم أو من يحمل انتماءهم وهويتهم، بعد ذلك يتسارعون في صياغة نظرية مؤامرة ما تخدمُ فكرتهم ليثبتوا أنهم مُتميزون ومحور الكون، ولكن تلك المؤامرة تُحبط آمالهم كُلما اقتربوا قليلًا من النجاح.

صديقي على سبيل المثال يرى أنه نابغة هذا العصر، ولكن الأستاذ الجامعي يتآمر عليه دائمًا ويُحبط نجاحه لمُجرد أنه من عائلة فلان، وهذا الأمرُ أثار استغرابي كوني أعلم أن الأستاذ الجامعي لا يعلم اسم صديقي حتى وهُنا طلبتُ منه إشارة بسيطة ليُثبت ادعاءه، كانت أسبابه تعتمد على قصة تاريخية عن خلاف حصل بين العائلتين –عائلة الأستاذ وعائلة صديقي- وأكمل حُججه أن الأستاذ لا يُعيره أي أهتمام في الجامعة ويتجاهله باستمرار وهو يستحقُ أكثر من تلك المُعاملة، وهُنا قرر أن يترك الجامعة بسبب تلك المؤامرة عليه.

في الحقيقة إن الأستاذ يُعامل كُل الطلاب بنفس المستوى، ولا يهمه وجود صديقي أو لا، حتى إنهُ لا يعلم اسمه أو اسم عائلته، ولكن ما يحدث أن صديقي يُريد أن يُبرر فشله في الدراسة ويجد سببًا مُقنعًا يُعلق عليه قراره في ترك الجامعة لكي يشعر بالرضا عن نفسه، وهُنا تلعبُ نظرية المؤامرة دورها.

الموضوع لا يختلف كثيرًا عن طريقة تفكير الشعوب، الموضوع هُنا أشبه بشماعة يعلقون عليها كُل ضرر يُصيبهم ليشعروا أنهم اجتهدوا ولكن المُتآمرين حطموا نجاحهم المُنتظر، تلك اليد الخفية التي تسعى دائمًا لتدمير مُجتمعٍ مُدمر سلفًا!

لكن للحقيقة أنهم لا يصوغون تلك الشماعة التي اسمها المؤامرة بهدف التبرير فقط، بل إنهم يصوغون طريقة استثنائية وغير مباشرة لكي يهربوا من واقعهم والخيبات المُتكررة، وذاك الهروب إن دل على شيء فإنه يدل على تعمق مرض التخلف وعدم القُدرة على المواجهة في المُجتمع.

يذكر لنا الدكتور مصطفى حجازي في كتابه القيم «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور» أن تصديق المؤامرة هو أحد طُرق الهروب التي يستخدمها الإنسان المقهور في المُجتمع المُتخلف؛ يبدأ الأمر عندما يحاول الإنسان أن يرمي فشله على شخصٍ آخر، ومن المُمكن أن يكون هذا الشخص هو رئيسه في العمل، أستاذه في الجامعة، أحد أفراد عائلته، الحكومة والمستوى الاقتصادي والثقافي في الدولة، أو حتى نظرية المؤامرة بحد ذاتها، ومن هُنا تبدأ موجة التصديق للنظرية بهدف الهروب لأي شيء يُمكن أن يُمثل شماعة تُعلق عليها أسباب الفشل وعدم القُدرة على المواجهة.

لا أنكر أبدًا أننا نعيش في مُجتمع يحمل الكثير والكثير من الحواجز التي تقف في وجه النجاح، ولكن يتوجب الإيضاح أنه يوجد فرق كبير بين مُعالجة هذه الأسباب وبين الهروب منها والجلوس مُكتفي الأيدي وصنع وهم يُسمى «نظرية المؤامرة».

تلك النظرية قائمة على أن يشعر الشعب أنه مُتفوق ومُتميز، ولكن الكُل يتآمر عليه ويسعى لإحباطه بطريقةٍ أو بأخرى، وسُرعان ما يبدأ الهروب والتبرير ولا أحد يعمل على الإصلاح –مثل صديقي الذي ترك الجامعة بسبب تآمر الأستاذ عليه كما يظن ويحاول أن يُقنع نفسه-.

وهذا لا يتوقف على النجاح الجمعي أو التقدم الاجتماعي، بل من المُمكن أن يكون حدثًا خاصًا لأحد الشخصيات ولكن هذه الشخصية تحمل نفس انتماء أو دين المُجتمع، ومن المواقف الطريفة التي حصلت مؤخرًا هي بعضُ المقالات التي نُشرت لتُبين التآمر الذي حصل على اللاعب المصري محمد صلاح في تصفيات التأهل إلى كأس العالم، كانت وجهة نظرهم أن إصابة محمد صلاح مُخطط لها من قبل السعودية وآخرون كانت وجهة نظرهم أن الإصابة مُخطط لها من قبل اليهود، وهذا لأن هُناك نجمة سداسية على يد اللاعب سيرجيو راموس، ولكن لنعود إلى وجهة نظرهم الأولى عن مؤامرة السعودية على اللاعب المصري وكيف قاموا بإثبات ذلك:

استعانوا ببعض التغريدات التي أطلقها شخصيات سعودية منها تُركي آل الشيخ يقول بها مُشيرًا إلى اللاعب المصري محمد صلاح «لازم يوحشنا قبل كأس العالم».

ويُكمل المسرحية حساب على توتير اسمه «بدون ظل» ليُقدم توقع عن مُحادثة تمت بين تركي آل الشيخ ورئيس اتحاد الكرة المصرية هاني أبو ريده، وتنص تلك التغريدة أن آل الشيخ –الذي يُمثل السعودية هُنا- يشكو مخاوفه من محمد صلاح في كأس العالم وهُنا يتوعد رئيس اتحاد أتحاد كرة القدم المصري خيرًا ليجد حلًا للمُشكلة!

هل تتخيل كمية السخافة في هذا السيناريو المُتناقل عبر المدونات وفي المُجتمع العربي عن المؤامرة ضد محمد صلاح لكي يُبعد عن كأس العالم؟

هذا ما يُسمى عدم القُدرة على مواجهة الحدث والهروب لصياغة مؤامرة تُناسب رغبة الشعوب للتبرير لنفسهم على الطريقة التالية:

«الكُل يتآمر علينا لكي يُفشل خُطتنا في المضي نحو كأس العالم لأننا عرب مسلمون».

لم يتوقف الأمر عند هذا السيناريو، بل تطور لتكون إصابة محمد صلاح مؤامرة على الدين الإسلامي بذاته، وهنا ظهر فيديو للداعية الإسلامي المصري خالد الجندي أن إصابة محمد صلاح هي مؤامرة على الدين الإسلامي، وظهر الكثير من المنشورات على شبكات التواصل الأجتماعي تدعم الفكرة.

الشيخ خالد الجندي

وتكثر الأمثلة عن وهم المؤامرة المُتفشي في المُجتمع العربي، لكن..

لماذا يميل الناس إلى تصديق نظرية المؤامرة؟

يميل العقل البشري الذي يُصدق نظرية المؤامرة للعب دور المظلوم دائمًا، وهذا يعود لكونها الطريقة الأنسب ليهون عن نفسه عندما يفشل في مسيرة الحياة هو أو أحد يُمثله من حيث الانتماء، وكأنهُ هو الناجح الذكي ولكن الكُل يتآمر عليه لإحباطه ومنعه من النجاح بسبب ذلك الانتماء القومي أو الديني، وهذا ما يُسمى أيضًا رمي الفشل على كاهل الظروف سواء كانت تلك الظروف مُقنعة أو لا -لا يهم- كُل ما يهمه هو أن يُبرر لنفسه فشله ليتوقف عن المحاولة ويندُب حظه كُل قليل، ولأكون أكثر دقة في الوصف هو يحاول دائمًا أن يصنع سيناريو مُعينًا ليثبت أنه المقصود من هذه الأحداث المُتتالية ودائمًا يبحث عن روابط ليصوغ فكرته مهما كانت تلك الروابط سخيفة أو لا منطقية «واعتبار إصابة محمد صلاح أنها مؤامرة مثال واضح على ما أقصد».

عند إسقاط هذه الفكرة على الشعوب، نعلم أن ميلهم للمؤامرة هو محاولة هروب واضحة ليبرروا لنفسهم عدم قُدرتهم على التقدم نحو مُجتمعٍ أفضل، ومن الأسباب الأخرى هي نوع من التحيز التأكيدي:

التحيز التأكيدي هو ميل الإنسان إلى تصديق الأدلة التي تتوافق مع وجهة نظره وتدعهما دون أن يتأكد منها أو يتحقق بأي شكل، يكفي أن تتناسب مع مُعتقده ليُصدقها بشكل مُباشر، ومن هُنا يتبين لنا سبب تصديق بعض نظريات المؤامرة مثل مُحاربة الماسونية للإسلام أو المؤامرة على الدول المُسلمة من قبل اليهود دون أن يكون هُناك أدلة واضحة، المُجتمع يميل إلى تصديق تلك النظريات لأنها تدعم صحة الدين والمُعتقد ويعطيهم قيمة وجودية مُعينة كونهم المركز الذي يتآمر عليه الجميع.

بالكثير من الحوارات بين بعض المُسلمين واللادينيين نسمع جُملة مُضحكة جدًا وهي «أنت موظف لدى الماسونية» وانتشرت بكثرة تلك العبارة بكافة الأشكال في شبكة التواصل الاجتماعي، هذا يدل على الفجوة الكبيرة في المُجتمع العربي واستعانته بنظرية المؤامرة للهروب والتبرير لنفسه ومحاولة تعيين نفسه أنه ذو أهمية ما أمام المُجتمعات الأخرى التي تفوقه في المستوى الاقتصادي والثقافي والفكري حتى.

«ما ذكرته هو جزء صغير من أثر المؤامرة على الشعوب، والأمر لا ينتهي هُنا بل وهم نظرية المؤامرة مُنتشر بكل العالم وكُل المُجتمعات ومنذُ أزل التاريخ وبكافة الأشكال».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد