تُكتب هذه الكلمات في وقت يحاول فيه العراقيون استيعاب صدمة القرارات الأخيرة التي صدرت مساء السبت 19 من الشهر الجاري. حيث أعلن وزير المالية العراقي أن سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي سيرتفع رسميًا بمقدار ما يقارب 250 دينارًا دفعة واحدة. ورغم أن بوادر رفع سعر صرف الدولار قد صعقت العراقيين قبل أيام من الإعلان الرسمي، إلا أن ذلك لم يمنع من كون رسمية القرار واعتماده بشكل فعلي قد تركت أثرًا عميقًا على ردود الأفعال الشعبية.

ولم تلبث شرائح المجتمع العراقي – خاصة المتوسطة ومحدودة الدخل – أن تلقت صدمة أخرى بما لا يقل عن سابقتها، تمثلت هذه المرة في جدول الاستقطاعات التي تم احتسابها لموظفي الدولة ممن تبدأ رواتبهم بما يعادل وفق سعر الصرف الحالي 500 دولار فما فوق. وهذا يعني أن موظف الدولة الذي يمثل النسبة الأكبر من القوى العاملة في المجتمع العراقي تعرض لضربتين قاصمتين خلال أسبوع واحد ستؤثر بشكل ملحوظ على قدرته الشرائية وإمكانية تسييره لشؤون النفقات الحاكمة لديه بمثل ما كان عليه الحال قبل التغيرات الأخيرة.

وكعادة كل أزمة تعصف بالمجتمع العراقي، تقاذفت الحكومة والبرلمان والكتل السياسية، مسؤولية ما آلت إليه أحوال البلاد الاقتصادية التي بدأت تهدد بأوضاع تعيد العراقيين إلى شبح أزمنة من الجوع والعوز كان الظن أن البلاد قد غادرتها إلى غير رجعة. وعاد الحديث مجددًا عن سوء الإدارة والتخطيط وتبديد موارد البلاد، وعاد التذكير بأقوال من مضوا من مسؤولين سابقين، سواء من غادروا مواقعهم في الدولة، أو حتى من غادروا الحياة بأكملها، عندما أتيحت لبعضهم فرصة اكتشاف ما وراء الضباب الذي خلّفه تكثّف الأموال الطائلة التي تدفقت على خزينة الدولة العراقية قبل سنوات قليلة ماضية عندما كان سعر برميل النفط – المورد شبه الوحيد للموازنة العامة – يتجاوز في حده الأدنى حاجز المائة دولار أمريكي.

 يبدو أن السخرية القدرية تلقي بظلالها على كثير من أوجه الحياة ومقوماتها في المجتمع العراقي. لسنوات طويلة، كان العراق أشبه بمصفوفات من الأرقام، بعضها يدلل على حجم قدراته وثرواته الطبيعية الهائلة، وبعضها الآخر يشير إلى خسائره البشرية التي فاقت المراتب المعقولة لتعريف الأعداد الكبيرة. وفي أحيان أخرى كانت مصفوفات الأرقام تلك، كشّاف ضوء يساعد على رؤية حقيقة ما تعرض له هذا البلد من هدر لموارده المالية خلال السنوات المنصرمة حيث تفجرت ينابيع نفطه لتتحول إلى موارد مالية متراكمة في خزائنه الداخلية والخارجية التي تبخرت بسرعات جنونية، واختفت في ثنايا الفساد المالي، والإداري، والمشاريع الوهمية، والصراع المحموم لنيل أقصى ما يمكن من غنائم ذلك المال الذي أصبح سائبًا، فكان سببًا هذا لتعلم الكثيرين كيفية سرقته، وبطرق مذهلة يكاد العقل العادي يقف أمامها بملء الدهشة والحيرة. فتحول كل شيء في هذا البلد إلى مجرد إحصاءات عامة تتراصف فيها الأرقام بجانب بعضها البعض لتختزل كل ما وراءها من مآسٍ وكوارث بشرية ومادية.

وبحسابات رقمية أيضًا، تعاملت حكومة رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي مع الأزمة الراهنة، دون حساب أن كل مرتبة عددية تقتطع على شكل ضرائب أو استقطاعات وما شابه، إنما هي في الحقيقة تنقص من حصة كل مواطن عراقي في أن يحيا بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة بعد عقود من الأزمات والحروب والصراعات، وهي كذلك تنقص من رصيد طموحات وتطلعات الملايين من فئة الشباب التي تشكل النسبة الأكبر من تعداد سكان البلاد، والتي تحاول يائسة التشبث بقشة الفرصة الوحيدة التي تأخذ هي الأخرى في الضياع شيئًا فشيئًا : الحصول على فرصة للتعيين في وزارات الدولة ومؤسساتها.

لقد ظهر جليًا عجز حكومة الكاظمي عن معالجة أبسط الملفات، فضلًا عن أكثرها تعقيدًا مما يمس حياة المواطن العراقي. ولجأت كسابقاتها إلى الحل الأسهل الذي يمثل هروبًا من مسؤولياتها الحقيقية في ملاحقة مسببات الهدر الفاحش لأموال الأجيال الحالية ومدخرات نظيرتها القادمة. فاختارت تحميل الفرد العراقي مسؤولية تلك المسيرة السوداء من الفساد والسرقة المفضوحة من قبل مختلف وجوه وعناوين الطبقة السياسية التي حكمت البلاد كل بحسب انتماءاته القومية والطائفية والمواقع التي استأثر بها اعتمادًا على مبدأ المحاصصة السياسية. وكأن المواطن العراقي مجبر على دفع فوائد ما بدا له فيما بعد أنه اختيار خاطئ، يوم راوده شيء من الأمل في أي من عناوين الطبقة السياسية في الممارسات الانتخابية السابقة بدءًا من عام 2006، وبالتالي سمح لها بالوصول إلى مواقعها التي وصلت لها في حينه.

وسواء استطاعت تلك العناوين السياسية البقاء في مواقعها، أو مغادرتها بعد تحقيق مكاسبها التي تصورت أنها تكفيها على المدى المنظور في الأقل، فإن المواطن ظل يدفع ضريبة ذلك الاختيار الخاطئ، الذي كان في كثير من عوامل حدوثه، يتجلى في الوقوع تحت تأثير وعود براقة وتسويق اعتمد على ورقة الدفاع عن الحقوق القومية والطائفية والمناطقية والدينية، ورسم لوهم المخاطر والمؤامرات التي يراد لها أن تزيل «مكاسب» تحققت بعد عام 2003 لا ينبغي التفريط فيها بأي شكل من الأشكال، حتى ولو أدى ذلك إلى السكوت أحيانًا عن السارق والفاسد وسرقته العلنية والمفضوحة لمجرد أنه يتشارك مع ذلك المواطن الناخب في الانتماء الديني، أو القومي، أو الطائفي، أو حتى المناطقي.

 يقال في كثير من الأدبيات إن عقوق الابن لأبويه من الكبائر التي تأتي بعد الشرك بالله مباشرة، ذلك لأنه قد خرج من صلب الأب ورحم الأم، وبالتالي فإنه ولو وفق اعتبارات النسب والمولد، فإن عليه أن يتعامل معهما بشيء من اللطف واللين حتى وإن اضطرته الظروف للاختلاف معهما في قرارات بعينها. ويبدو إذا صح التشبيه بالمقارنة، فإن حال الحكومات العراقية المتعاقبة لا يختلف كثيرًا.

إن الطلب من تلك الحكومات أن تتجاسر على فساد العملية السياسية التي تولد من رحمها يعد في الحقيقة ضربًا من الخيال لا يصدق حدوثه! ذلك لأن أية حكومة تشكل في هذه البلاد فإنها ستعرف حدودها المرسومة لها بعناية، وستتصرف على أساس الحرص على عدم تجاوز تلك الخطوط، وإلا فإنها سترتكب بلا شك خطيئة العقوق لأصلها الذي خرجت منه، وبالتالي ستواجه غضب الأم أو الأب بما يماثل ما يتعرض له طفل صغير لم يبلغ الحلم عندما يتم تعنيفه. وقد لا يخفى كثير من هذا عن الغالبية الساحقة من المواطنين العراقيين، لكن الصبر المشوب بما يبدو في الظاهر أنه سكوت وارتهان لإذلال الحكام، سمة غالبة على هذا المجتمع منذ عهود طويلة سالفة، إلى الحد الذي يصبح معه الحلم بتغيير الواقع المأزوم شيئًا أشبه بالسراب الذي يداعب خيال الظمآن في الصحراء القاحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد