في الوقت الذي كنا نأمل فيه أن يكون مجتمعنا المغربي قد تخطى بعض العقبات وتخلص من بعض العادات السيئة؛ التي كانت عائقًا أمام تقدمنا وتطورنا لنواكب باقي دول العالم، اكتشفنا أننا كنا نسير إلى الوراء طوال الوقت. ونعيش في بقعة واقعها مؤسف ومؤلم وفوضوي، لايعترف بقيمة البشر‏،‏ بل يراهم بلا ثمن‏.

الحكومة تستغل كل فرصة سانحة لتعزيز سيطرتها على الحكم، المخزن يعبر عن ديكتاتوريته بشتى الطرق، الملك ربما فقد شهية الحكم واكتفى بالصمت، الشعب فقد السيطرة وأطلق العنان لجهله ووحشيته، وبات أمرًا عاديًّا أن نتلقى خبرًا مفجعًا، مثل اختطاف طفل واغتصابه وقتله، أو خبر ذبح سائحتين، عمليات السرقة والنصب تحدث كل يوم تقريبًا، فقدنا مبادئنا وأخلاقنا كليًّا، فلا نحن انتصرنا للمرأة ولا نحن احترمنا الرجل، ولا نحن حافظنا على سلامة أطفالنا، والحرية كانت مجرد نكتة حقيرة.

يجب أن نعترف أننا دولة فاشلة، فاشلة بكل المقاييس، واللوم يقع علينا جميعًا، ملِكًا وحكومةً وشعبًا، الفساد عشعش في المؤسسات، الجشع سيطر على الحكام، الناس يرفضون التخلي عن جهلهم، وصار المجتمع فوضى عارمة، بالكاد يستطيع المرء فهم ماذا يحدث من حوله.

ليس أمامنا إلا حل واحد، الهدم وإعادة البناء؛ أعلم أنها مهمة مستحيلة، لكن شئنا أم أبينا سنضطر لهذا عاجلًا أم آجلًا، ففي مرحلةٍ ما وهي قادمة حتمًا، حتى الطغاة والمستفيدون من هذه الفوضى سيجدون أنفسهم يطالبون بإعادة البناء، ربما لم نستوعب هذا بعد، وحتى الذين استوعبوه يكتفون بالصمت وانتظار الفاجعة.

بات واضحًا أن المستقبل لا يبشر بالخير وأن العالم يسير نحو الهلاك، لكن لا حياة لمن تنادي! لم يصف توماس هوبس، عبثًا الوضع البشري بحرب الجميع ضد الجميع؛ حيث يعيش البشر في وحشية غير مبررة، القوي يأكل الضعيف، وهذا ما يحدث في المغرب، البشر تائهون بشكلٍ رهيبٍ، كم هائل من الإهمال واللامبالاة، نعتقد أننا سنغير وضعنا من خلف شاشات هواتفنا، نُعبِّر عن استيائنا وحزننا في ثانية، وفي الثانية التي تليها نلتقط الصور و نضحك على مقاطع فيديو ساذجة؛ كأن شيئًا لم يحدث، كأننا بخير! لسنا بخير بحق السماء.

أتساءل إذا كان الملك وحكومته يستوعبان حقًّا أننا نعيش مرحلةً حرجةً، مرحلة الفوضى، والتاريخ يؤكد أن ما بعد الفوضى ستأتي الثورة، ربما يعلمان هذا جيدًا، ويعلمان كذلك أن الشعب المغربي ليس مستعدًا ثقافيًّا وفكريًّا للقيام بثورة؛ لكننا الآن بحاجة لمجتمعٍ بديلٍ، ضرورة حتمية، والشعب الساذج قد يتحول فجأةً لشعبٍ واعٍ يعي ما له وما عليه، الشعب الذي يعيد إنتاج المرفوض منذ سنوات، سيفهم ما يحدث حوله في مرحلةٍ ما، وسيحول هذه الفوضى إلى ثورة حقيقية، والثورة في ظل نظام ملكي لن تكون سهلة، وقد يحدث ما حدث في فرنسا قبل عشرات السنين.

لا أقول إن هذا سيحدث عما قريب، لكنه وارد جدًا؛ فالطريقة التي تسير بها الأمور في هذا البلد لا يمكن لها إلا أن تؤدي الى ذلك، الأجيال القادمة لن تكون جبانةً كما كان أجدادنا وآباؤنا، فلم يحدث من قبل أن تجمهر أجدادنا أمام البرلمان وقاموا بكل بجرأة بسب وشتم الوزراء. أمر بسيط كهذا قد يعده البعض مجرد تهور وقلة تربية لكنه في الحقيقة عكس ذلك، هذا دليل على أن الجيل الجديد والأجيال القادمة لن تخاف من النظام؛ فالخوف كان دائمًا عائقا أمام مطالبة آبائنا بحقوقهم وحتى تلك المحاولات البسيطة التي قاموا بها انتهت بنوعٍ من الخيانة والاستسلام.

علينا أن نتعلم تحمل المسؤولية، وألا نوجه أصابع الاتهام عبثًا، الملك هو المسؤول الأول، ثم المخزن، ثم الحكومة، ثم الآباء، ثم الأبناء، هكذا بهذا الترتيب، نحن دولة لها مؤسساتها وخيراتها، لا ينقصنا إلا أن نعيد ترتيب أمورنا، ونحاسب من كان سببًا رئيسًا في وصولنا للحضيض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد