من الواضح أن هناك شيئًا ما يحدث في العالم حولنا، والوضوح هي آخر صفة يمكن أن نستخدمها لوصف ما يحدث فعلًا، الحقيقة المؤكدة أن أحدًا لا يعرف ما سيحدث لاحقًا، وأن باب التوقعات مفتوح على مصراعيه، حتى لكتاب الخيال العلمي.
في الجزء السابق ناقشنا بزوغ الديمقراطية كبديل ناجح للديكتاتورية والشمولية. وأوضحنا أوجه القصور والشكوك في تطبيق ديمقراطية حقيقية، وانتهينا أن تطور مجالي الاتصالات والانتقالات يدفع في اتجاه نظام أكثر عالمية، وأن الاعتماد علي الأهواء الفردية غير آمن لضعف البشر وسهولة إفسادهم، وفكرة أن الجموع البشرية هي الحامي عند فساد الحكم غير مجدية لسهولة التلاعب بالرأي العام، نحتاج شيئًا أكثر قطعية نستطيع البناء عليه؛ ماذا عن العلم؟ هل يمكن أن يحكمنا العلم؟

العلم هو الحاكم المثالي؟

العلم لا يخطئ حتى الآن، العلم يعطينا معلومات قطعية حتى الآن، أعني بـ «حتى الآن» أنه في نطاق معرفتنا الحالية فالعلم غير قابل للخطأ، أي أن العلم يعطينا التصور الأصح لما يدور حولنا طبقًا لأقصى ما شهدته المعرفة البشرية، وتراكم خبراتها، فالعلم لديه القدرة على تصحيح أخطائه كلما أتيح له ذلك.

كيف يحكمنا العلم؟ لست عالمًا، ولكن إن عرضت هذه المشكلة علي علماء حقيقيين فسيجدوا حلًا. معظم ما ذكر هنا وغيره من وصف لنظم الحكم يصلح أن يكون محددات Metrics ومتغيرات Parameters لنظام محاكاة Simulation أو لاتخاذ قرارات Recommendation System؛ لن ينام المهندسون حتي يتموا تصميمه علي أكمل وجه. وسيستشيط رأس الرياضيين فضولًا لصبغ المعادلات، وتكوين نموذج رياضي Mathematical Model مثالي. يتبقي جمع البيانات وتحليلها وتغذية كل هذا لنظام حاسوب يتمتع بالذكاء الاصطناعي AI، وسيكون لدينا حاكم مثالي لا يخطئ «حتي الآن»، ولا يعيبه مزاج البشر وتقلباته. سيأخذ القرار المثالي طبقًا لأقصى معلومات متاحة. هذا ليس بخيال علمي بعيد المنال. صدقني نستطيع أن نصنع نظام حكم الكتروني لديه القدرة على اتخاذ القرارات، ونضعه على هاتفك الشخصي، وأجزم لك أنه سيكون أكثر تعقيدًا من طرق اتخاذ القرار لدينا في الأنظمة العربية مثلًا.

 

تساؤلات كثيرة؛ أولها أن من سيضع هذا النظام الالكتروني هم بشر أيضًا، هل يكفي أن نعتمد علي إخلاص العلماء للعلم، وزهدهم في مغريات الحياة؟ لنضمن ألا يعبثوا بشفرات هذا النظام لمصلحتهم؟ فيصبحوا الأقوياء الجدد؟

السؤال الأهم: هل نأتمن على حياتنا وحياة الجميع آلة؟ هذه الآلة ما إن تتعلم شيئًا حتي تبرع فيه وتتفوق علينا تفوقًا ساحقًا. ما إن تعلمت أن تقوم فلن تنام، وأن تتذكر فأصبحت قدرتها على الحفظ تفوق كل البشر مجتمعين. ماذا سيحدث إن تعلمت أن تفكر؟ لا نعلم إذا ما امتلك الحاسوب القدرة علي الإبداع، لكن بالتأكيد قدرته على جمع البيانات واستخلاص المعلومات وإجراء عمليات حسابية معقدة تفوق أي بشري. وبالتأكيد مستوى ذكائه سيفوق مستوي الذكاء الجمعي للبشر – الذي هو أقل بكثير من مستوى الذكاء الفردي. هل يُعقل أن نسلم السلطة لمن أكثر منّا قدرة؟ لا يفعل هذا الأذكياء. هل سنصبح الأذكياء فعلًا؟

نستطيع أن نبني أدغالًا صناعية، ونحاكي الأدغال الطبيعية، ونترك بها بعض الحيوانات، سيعيشون بها كأنهم أحرار في بيئتهم الطبيعية، في حين أنك تستطيع أن تجعلهم يفعلون ما تريده، فهي بيئتك التي صنعتها وتتحكم فيها وفيهم، وهم لا يشعرون، ويظنون أنهم أحرار يفعلون ما يريدون. ذلك فقط لأننا أكثر ذكاء منهم. المشكلة أننا لن نعرف حتي عندما تفوقنا الالآت ذكاءً، إن حدث هذا؛ لأن قدرتنا الذهنية لن تستوعب بالأساس حجم قدرتهم وتفوقهم. وهذا يعني أن اللحظة التي يكتسب فيها الحاسوب الذكاء هي اللحظة التي سنفقد فيها حريتنا إلى الأبد. حتى وإن كانوا ينفذون الشفرات والتعليمات التي كتبناها نحن البشر، لن نعرف إذا كنا نعيش في الغابة الطبيعية بحريتنا أم في الغابة الاصطناعية طبقًا لما حددوه لنا؟

تخيل أن الآلة توصلت لبرنامج يحدد ما إذا كان هذا الطفل سيكبر ليكون قاتلًا، طبقاً للمعلومات المتاحة لديهم وتصورهم للمستقبل، فيقررون قتله؟ فيقتلونه، بهذه البساطة، فهم يعرفون أكثر مما تعرفه فهل ستجادلهم؟ وإن عرفوا أنك ستجادلهم فسيقرروا قتله أثناء النوم وكأنه مرض، وأنت لن تعرف. ما هذه الحياة؟ ماذا فعلنا؟ هل سنصنع آلهة؟ صحيح، ماذا عن الآلهة؟

الأديان تحل المشكلة؟

ضعف الإنسان يدفعه للبحث عما ينقصه، هناك حولنا الكثير الذي لا نجد إجابة له، والبعض لا يحتمل وجود اسئلة بلا إجابات. الأديان تحاول أن توجد إجابات. هذا موضوع شائك، لن يتقبله أحد مهما كان معتقده الديني، فلنعد لموضوعنا إذن؛ العالم المجنون ونظم الحكم، ما دور الدين في وضعنا؟ وهل من الممكن الاستفادة منه في نظم الحكم؟

 

يحل الدين المشكلة الأساسية في ضعف الإنسان ونقصان كل ما هو منتج بشري. فهناك قواعد موضوعة من قوي خارقة تحمل الخير لنا وتتميز بالكمال، فلا مجال للخلاف ونستطيع البناء عليها والبدء منها في كل مرة. ثوابت يقتنع البشر بأنها مطلقة وأن فيها الخير المطلق. ما المشكلة إذن؟ المشكلة تكمن في أن تكون هذه الثوابت ليست مطلقة فعلًا وموضوعة من بشر، أو أنه يتحكم فيها البشر، وفي كل الحالات يقوم علي تنفيذها البشر أيضًا. لا يخفي على أحد كوارث سوء توظيف الدين، فهو أحد كروت الأقوياء ومعروف أنه من أجود الصفارات وأغلظ العصي.

 

ولكن فكرة وجود ثوابت نقية مطلقة، لا شك فيها، ما زالت مغرية. تخيل وجود نظام عالمي لا حدود له، مبني على ثوابت مثل هذه، حيث كل شيء واضح وقطعي ولا خلاف عليه، كل مواطني هذا النظام متساوون، لا وجود لطبقة الأقوياء، لا حاجة لهم، فهناك قوة عليا غير بشرية تعرف كل شيء. يخطئ الكثيرون في اعتبار «داعش» تسعى إلي الماضي، هؤلاء يتعجبون من قوة داعش وسر اجتذابها لمختلف أنواع البشر؛ الغني والفقير، المتعلم والجاهل، تجذب الذي قضى حياته في ظلم وقهر وفقر بنفس القدر الذي تجذب به من عاش في رفاهية وحرية لا حدود لها؛ ذلك لأن داعش تقدم نموذج حكم متقدم عما نملكه الآن ويحل مشاكل عصرية عديدة.

ماذا إذن؟

أنا اسرد فقط ما لاحظته، ولم أتعرض للحكم علي أخلاقيته، بالتأكيد عنصر هام، لكن أول خطوة في فهم السياسة ونظم الحكم أن المثالية مكانها الروايات والعقول الرومانسية، لا أرض الواقع، لكن عليَّ أن أؤكد أني لا أرضى عن داعش ولا أروج لها؛ فهي تعارض كل ما أؤمن به. اللوم على من يقول إن لديه «الحل» منذ أربعة عشر قرنًا، ولم يبذل مجهود يحترم في تقديم هذا الحل، كنموذج شامل تطبيقي للحكم، إما خوفًا من سلطان أو غرقًا في قشور لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

لا أعرف ما هو قادم. هلع الجميع ينذر بتغيير جذري في الأفق. أما العودة لنوستاليجا الماضي من انقلابات وديكتاتورية وقومية شيفونية، فيبدو أنها صبيانية ومراهقة متأخرة للبشرية، لا أعتقد أنها ستستمر، أتمنى ألا تستمر؛ لأنها تدفع بأن يكون الحدث الأكبر الذي يجبر الجميع علي التغيير متضمنًا لكوارث دامية، نأمل ألا نكون في قلبها.

 

لن يكف البشر عن العبث بمقدار المياة الساخنة والآخري الباردة، حتي ينعموا بحمام دافئ يستقرون فيه إلى حين يتم العبث مرة أخرى بالموازين، أو تقرر الأم غسيل الأطباق المتسخة التي تراكمت في المطبخ طيلة فترة «الاستقرار» فتقلب الطاولة.

السؤال الأهم والذي يجب أن نحدد له إجابة هو؛ ماذا عن دورنا؟ هل سنكون من الجموع؟ الورق الذي يُلعب به؟ سنكون الصفارة أو العصا؟ هل سننضم للأقوياء؟ هل نستغل الفوضى للانضمام لقائمة المرشحين للقوي القادم؟ أم سنكتفي بالمشاهدة وانتظار النتيجة؟

 

هذه محاولة عامة لفهم ما يحدث، ما الذي تتفق وتختلف معه؟ وما الأدوار المتاحة لنا كأفراد لنكون فاعلين في هذا التغيير المرتقب؟ شاركنا برأيك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد