من الواضح أن هناك شيئًا ما يحدث في العالم حولنا، والوضوح هي آخر صفة يمكن أن نستخدمها لوصف ما يحدث فعلًا، الحقيقة المؤكدة أن أحدًا لا يعرف ما سيحدث لاحقًا، وأن باب التوقعات مفتوح على مصراعيه، حتى لكتاب الخيال العلمي.

البداية

عندما تعرضت للصدمة من فترة وبت أعجز عن فهم ما يحدث حولي، وأصبحت واثقًا بأن ما يجري لا يخضع لأي منطق، توقفت، حتى لا أصاب بالجنون، حاولت أن أفهم اللا معقول كآخر محاولة للحفاظ على عقلي. الخلل موجود إما في داخلي وتعريفي للمنطق، وإما في الجميع. ولكي أفهم الخلل في الآخرين، لا بد أن أفهم الخلل في داخلي أولًا، حتى لا أعكسه عليهم ويصاب الجميع بالخلل من وجهة نظري، خلل مصدره داخلي لا داخلهم.

هذه جملة معقدة، وتنفيذها أكثر تعقيدًا الحقيقة. لكي تكتشف مراكز الخلل في داخلك عليك أن تحلل وتفصل كيف تكون رأيك؛ معلوماتك بالتأكيد، خبراتك في الحياة، معتقداتك دينية أو اجتماعية، صفاتك الشخصية والجسدية. ولكي تقيم مدى صلاحية حكمك على الأشياء، عليك أن تعي جيدًا هذه المؤثرات وتحاول تحييدها جانبًا، ومن ثم تطبيق أبسط قواعد المنطق ومقارنة ما تصل إليه بآرائك القديمة، وستظهر مواضع الخلل لديك.

خطة واضحة منطقية، تنفيذها أشبه بالمستحيل! لماذا؟ دعني أسأل هذا السؤال البسيط؛ ما هو تعريف المنطق بالأساس؟ من الصعب جدًّا الوصول لأي معلومة مفيدة إذا لم يكن هناك ثوابت تعتمد وتنطلق منها، وأصبح كل شيء قائمًا على متغيرات.

هل الديمقراطية تفشل؟ محاكمة الأفكار ليست هينة، لأن الخلط بين الفكرة والتنفيذ يحدث، والتنفيذ لا يكون مثاليًّا أبدًا، فلا يصبح الحكم باتًا، وبذلك يصبح عمر الأفكار أطول كثيرًا من تطبيقاتها. لكن إن كانت الفكرة قوية شاملة متماسكة فإن التطبيق غير المثالي لها ينجح، لفترة.

«الإنسان دعيييييف» هذه الحكمة يمكن أن تؤسس للكثير. ضعف الإنسان حقيقة بسيطة للغاية، وتشعر بها في كل لحظة لكن نحب أن ننكرها، وذلك لأن الإنسان يجبر نقصه بالكبر! احتاج قادة العالم الكثير ليقتنعوا بهذه الحقيقة؛ لا حربًا مهلكة واحدة. لا، لكن حربين عالميين وملايين الضحايا وعشرات الدول المدمرة. لا يمكن أن تتعلق مصائر مليارات البشر بمزاجات أحدهم وتقلباته، نريد حلًّا آخر.

أحد أنجح طرق اختبار الأفكار هي تطبيقها في معزل عن أي مؤثرات خارجية SandBox. الولايات المتحدة الأمريكية، تقع في العالم الجديد، دولة جديدة ناشئة بلا تاريخ، منعزلة جغرافيًّا، اختبرت بها الديمقراطية، وأنشأت قوة عالمية فأصبحت الخيار المنطقي التالي، وحكمت العالم.

معادلة الحكم

صاحب القوة لا يتركها إلا لمصلحة، حقيقة أخرى بسيطة يمكن أن تقتل الديمقراطية في مهدها، لمَ أتخلى عن سيطرتي وأمنحها لآخرين؟ المصلحة في الديمقراطية ليست واضحة مباشرة ليفهمها حاملو السلاح.

أبدًا لن تشعر بالأمن الغذائي إن كان لك جار جائع. ستصرف الأموال لحل هذه المشكلة. إما لبناء أسوار ولشراء سلاح فتقتل الجار الجائع، وإما إعطاء ما يكفي للجار حتى يكف جوعه ويبقى فقيرًا، وتبقى الحاجة للسور. أو ما يكفي لكي لا يصبح فقيرًا، وينصرف تفكيركم جميعًا  للبناء والتنمية. الغريب أن من يختار الخيار الأسهل لا يكف عن بناء الأسوار وشراء الأسلحة. غالبًا لا يفعل إلا هذا، ولا يشعر بالأمان أبدًا. والنهاية التي رأيناها ومللنا من إعادتها أن أيتام الجار الجائع يسحلون الغني الجائر بالأسلحة التي اشتراها، ويحلون مكانهم حتى يأتي مصيرهم. الغريب أيضًا أن أكثر الحكام استقرارًا الآن -حكام الدول التي لا تسمع عنها في نشرات الأخبار- دائمًا مرتبط بنظام تأمين صحي شامل، وإعانة بطالة، ونظام تعليم متميز مجاني. هؤلاء تمتعوا بالقوة وباستقرار حقيقي، لا استقرار على حافة جبل.

معنى ما قلته أن في رأيي لم يكن هناك أبدًا حكم الشعب للشعب. لم يكن هناك ديمقراطية من الأساس بالمعنى المطلق. كل ما هنالك أن الأقوياء ارتضوا أن يشاركوا القوة فيما بينهم، بالدرجة التي تمنع أحدهم من أن يصل إلى القوة المطلقة فيدمر الجميع، وأن من مصلحتهم أن تقل معاناة الجموع، واختلفت التطبيقات باختلاف الجشع والظروف. ما أعنيه بالأقوياء هنا ليس أشخاص ثابتين وحكومة ظل ومجلس رئاسة العالم، وهذه القصص. ولكن هم مجموعة من الأشخاص الذين يمتلكون القوة الآن، يتغيرون ويسقط منهم الكثير، ويلتحق بهم الكثير من جموع الشعوب، لكن في النهاية ما أن تنتمي لهذه المجموعة حتى تتصرف مثلهم وتسري عليك قواعدهم! القوة سامة، هكذا يقولون.

إن لم تقتنع بالفقرة السابقة، فأرجوك أجب لي عن هذ التساؤل. ما الذي يعتبر من أقوى انتصارات الديمقراطية؟ انتهاء العنصرية ضد السود؟ حق التصويت للمرأة؟ إقرار زواج الشواذ في بعض الولايات؟ هل هناك أي تأثير لذلك في طبقة الأقوياء؟ لن ينقص الحساب البنكي لأحدهم إذا وقفت سيدة سوداء في آخر الحافلة، أو جلست بجانب البيض. ولن تقل ذخائر الحراس إذا ما صوتت سيدة على أحقية الشواذ في الزواج. صدقني لن تتحرك أي قضية لصناديق الاقتراع إلا بعد اتفاق الأقوياء على كل شيء. مرة أخرى «صاحب القوة لا يتركها إلا لمصلحة».

الثغرة في الديمقراطية وحكم الشعب للشعب، أن الجموع تساق بسهولة إن كان لديك القوة المناسبة، فيصبح رأيك هو رأي الترجمة العددية لقوتك في وجه قوة أخرى تنافسك، ويخرج الشعب من المعادلة، فيصبح تطبيق الديمقراطية الحقيقية شبه مستحيل. ولكن النموذج الذي لدينا الآن يتمتع بوجاهة واضحة. فيسمح للعوام باتخاذ القرار في ما قد يمس حياتهم بشكل أكبر دون تأثير على النظام القائم، ويترك لذوي القوة بقية الأمور. أليس هذا منطقيًّا؟ ليس كل إنسان مؤهل لكي يحكم في قضية أو يكون رأيًّا عادلًا في كل القضايا.

لكي يصبح مثالي هذا النموذج من الديمقراطية علينا فقط تبديل ذوي القوة بذوي العلم والخبرة، ونصبح في يوتوبيا، ولكن هذا بالطبع لن يحدث.

الشعوب والحدود

المثل المصري «صفارة تجمعهم وعصايا تفرقهم» مؤلم لكنه حقيقة أخرى. كلنا لدينا هذه الصفارة التي تجمعنا بدون عقل واعٍ منا، قد يخلتف نوع وحجم الصفير اللازم لإلحاقنا في قطيع، لكن هذا يحدث في النهاية، فالإنسان حيوان اجتماعي ويحتاج للجماعة. وكلنا لدينا هذه العصا التي تجبرنا على فعل أشياء لا نريدها، وإن اختلفت هيئتها ونوع حاملها. الأقوياء يحتاجون إلى جمع من العوام حولهم، لأنهم يحتاجون دائمًا من هو على استعداد للتضحية بنفسه من أجلهم أو ما «يمثلونه»، حزام بشري، بعد الحزام الاقتصادي والعسكري. كلام قاسٍ لكنه حقيقي ويحدث يوميًّا. منهم من يجمع على صفارة الخوف والكره، ومنهم من يجمع على صفارة الحب والأمل، الاختلاف كبير حتمًا. شعورك عند سماع صفارة إنذار الحريق، غير شعورك بسماع صفارة الغداء مع أسرتك. تستطيع أن تهدم وتقتل وتحرق وتصنع وتستهلك أكثر بالصفارة الأولى، لكن لن تبني وتبدع إلا بالثانية. نحتاج إلى الاثنين، لكن بأي درجات ومتى؟

بعض الدول وصلت للمعادلة الصعبة، إما تخطيطًا وإما صدفًا سعيدة، وتحقق لها الرخاء والاستقرار، لماذا إذًا هي في خطر الآن؟ ما اعتقده السبب الرئيسي فيما نحن فيه هو تقدم وسائل الانتقالات والاتصالات. سيصيبك ما يصيب الآخرين شئت أم أبيت. جارك الجائع أصبح الدولة المنهارة على حدودك. سقوط سوريا هو السبب الرئيسي لانهيار الاستقرار في أوروبا. الانفصال لم يعد خيارًا! القومية لم تعد منطقية! العزلة لم تعد ممكنة! نحتاج إلى نظام عالمي، خرق سفينة وطنك لن يغرقك فحسب لكن سيصنع دوامة تأكل الجميع. أصبح مستحيلًا أن تحرق سفينة ضعيفة وتنهب ثرواتها، وتنعم بها بعيدًا، ستلاحقك نيران حطامها وغضب راكبيها المحترقين. نحتاج إلى نظام عالمي، حقيقي هذه المرة.

سيكون علينا أيضًا وضع قواعد، قواعد عليا صارمة، تضمن للجميع حياة هادئة، لا يجوز خرقها ولا تعديلها. لجأ الناس للدساتير؛ فتكون قاطعة غير قابلة للطعن تحكم الكل، لكنها تسقط، تسقط بالسلاح بالصناديق بالرقص، هي تسقط وكفى. وهذا منطقي فعلًا، لأن من وضعها بشري أو جموع بشرية، لا يجب أن نثق في أي منهما، فالإنسان ناقص غير كامل، والجموع تُخدع من قبل إنسان ناقص غير كامل أيضًا. نريد شيئًا قطعيًّا لا يجادله أحد. ماذا يمكن أن يكون؟

في الجزء الثاني سنناقش إمكانية بروز نظم حكم جديدة، قد تنجح فيما فشلت فيه الأنظمة الحالية.

هذه محاولة عامة لفهم ما يحدث، هل تعتقد أن الديمقراطية فشلت فعلًا؟ وهل تتفق في أنه لم يكن هناك ديمقراطية من الأساس لنحكم عليها بالفشل؟ وهل تعتقد في وجود قوى أكبر من نظم الحكم؟ شاركنا برأيك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد