الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين أما بعد، قد يكون العنوان مستفزًا بعض الشيء، إلا أنه يحمل بين طياته الكثير من الحقيقة.

لطالما كنت مشتاقًا لقراءة الكتاب الشهير عند علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا: «السحر والدين في شمال أفريقيا» (لإدموند دوتي)، وقد زاد شوقي إليه كثرة الثناء عليه، ثم الثناء على ترجمته العربية التي نالت جائزة المغرب للترجمة سنة 2008، وهي نفس السنة التي صدرت فيها الترجمة، لكن خيبتي كانت كبيرة في الكتاب وفي ترجمته؛ خمسمائة صفحة حوت المئات من الأخطاء التي يُنسي بعضها بعضًا، ثم يُعاد طبع الكتاب بعد 10 سنوات محملًا بنفس أخطاء الترجمة والضبط! ولأن الصدمة كانت كبيرة فقد ارتأيت أن أفرغها في مقال أذكر فيه أهم ما وجدت من أخطاء.

1- التصرف في المتن بالزيادة والنقصان

قام المترجم بنقل النصوص التي ترجمها (دوتي) من مصادرها الأصلية، وهذا عمل جيد فهو يتفادى أخطاء (دوتي) في الترجمة وله وجه في الاحتجاج المنهجي، لكنه يغفل أخطاء (دوتي) في فهمه للُّغة العربية والتي أثرت على تصوراته، ويتجاهل تعليقات (دوتي) واختصاراته وهذه جريمة، فما يهمنا هو تلك التعليقات ونحن نقرأ لـ(دوتي) لا للبوني أو ابن الحاج، قارن مثلًا: ص: 278-279/ت: 225 وانظر في اختصار المؤلف ونقل المترجم النص كاملًا ص: 380/ت: 307-308.

وفي المواضع التي لا ينقل فيها المترجم النص الأصلي ويترجم كلام (دوتي) نجده لا يفصل بين كلام (دوتي) وكلام المنقول عنه، وهو ما يوهم أن جميع الكلام للمنقول عنه، بينما (دوتي) يضع تعليقاته على المتن بين قوسين، انظر مثلًا: ص: 318/ت: 256 في نقله لكلام القسطلاني.

ومن تصرفه في الكتاب كذلك رفعه ما في الهوامش إلى المتن، وتغييره مواضع الأقواس، وحذفه كلمات من المتن، انظر مثلًا: ص: 344/ت: 277، وانظر: ص: 482/ ت: 394، يقول دوتي: إن القديس نيل يذكر الساراكينوس أي العرب فيحذف المترجم الساراكينوس وتتحول الجملة عنده إلى: إن القديس نيل يذكر العرب.

ومن تصرفه في الكتاب كذلك أن (دوتي) وضع عناوين هامشية لموضوع كل صفحة، وهي عناوين جدّ مساعدة في البحث ومساعدة على التركيز في القراءة لكنها غير موجودة في الترجمة.

2- أخطاء في ترجمة الكلمات والعبارات

ترجم عبارة «magico médical» بعبارة «السحري الديني» ص: 235/ت: 199 رغم أن معناها واضح: السحري الطبي، وترجم ريش الملَك بشعر الملَك ص: 443/ت: 361 مع وجود خطأ لـ(دوتي) في الترجمة في هذا الموضع إذ عبر عن الريش بالزغب «duvet»، ويترجم «chacal» بالذئب ص: 308/ت: 248، وترجم: أدبيات الشعوب «littérature» بالأدب ص: 319/ت: 256.

وتتحول عبارة «on peut en douter» التي يمكن ترجمتها إلى: يمكننا الشك في ذلك، تتحول إلى: لا يمكننا إلا أن نشك في ذلك ص: 313/ت: 251.

3- أخطاء في اختيار المعاني المناسبة

المترجم موفق على العموم وهو أفضل من غيره بكثير فهو يجيد الفرنسية وأسلوبه جيد في العربية، وله دراسات سابقة في علم الاجتماع والأنثربولوجيا تمكنه من فهم أعمق وأدق للمؤلف، لكنه للأسف لم يصب في كثير من اختياراته ومن أمثلة ذلك: ص: 417/ت: 339 يقول عن استراق الجن للسمع: لا يستطيعون سوى سرقة أشلاء من المعرفة الربانية، مترجمًا لها من كلمة «bribes» التي تعني البقايا أو النُّتف أو الأجزاء البسيطة.

وفي ص: 310/ت: 249 تظهر الترجمة المناسبة لكلمة «dépit» هي خيبة الأمل أو الإحباط فيترجمها بقوله: الغمة.. ليدعك تتخبط في فهم عبارة المؤلف، وترجم من غير الممكن.. بمن غير المستحيل فأعطى معنى مشوشًا ومناقضًا للمعنى الأصلي، وترجم الأحكام بالحكم، وترجم: سحق العقرب فوق اللسعة التي أحدثتها طلبًا للشفاء بقوله: فللعلاج من لسعة العقرب على المرء أن يدس فوقها الحشرة، وما ذكرته الآن موجود في صفحة واحدة، ولك أن تتصور حجم الكارثة خصوصًا إذا علمت أن مستخرج الأخطاء ليس من أهل الترجمة ولا ممن يتقنون الفرنسية.

من المواضع الخطيرة في الكتاب تعريف (دوتي) للسحر: تقول الترجمة: «إن السحر محسوس أكثر منه مدرك» ص: 313/ت: 252، وهي ترجمة حرفية لا أظن أن أحدًا سيفهمها إلا بعد إعمال العقل فالحس هنا هو الحس الباطني الوجداني العاطفي ولا علاقة للحواس به.

4- أخطاء في نقل أرقام الجداول ورموزها

انظر مثلًا: ص: 243 /ت: 204، ص: 247/ ت: 206.

ومن أغرب أخطاء الجداول ما وقع في ص: 391-392/ت: 318-319 إذ يوجد في النص الأصلي جدول بالفرنسية وبعده جدول بالعربية فقام المترجم بنقل الجدول العربي وترجمة الجدول الفرنسي إلى العربية، الطريف هنا هو أن الجدول العربي هو نفسه الجدول الفرنسي وبعد الترجمة حصلنا على جدولين عربيين مختلفين! وهو ما يؤكد جهل المترجم كونهما جدولًا واحدًا، وسبب الاختلاف هو أخطاء ونقائص في الترجمة من العربية إلى الفرنسية، وأخطاء ونقائص في الترجمة من الفرنسية إلى العربية.

5- تحريفات في أسماء المدن والأعلام والتواريخ

نجده مثلًا (ص: 446/ ت: 364) يكتب: قالمة: كلمة، وتبسة: طبيسا، وكأن هاتين المدينتين غير موجودتين على الخريطة، ولا هما مدينتان كبيرتان في الجزائر المجاورة، ويسمي بني عداس وهي قبيلة مشهورة في الجزائر بني عادس في عدة مواضع منها: (ت: 300)، وتحولت تيارت إلى تياريت، والأغواط إلى الغوت، وششار إلى شيشار…إلخ، ونجده في موضع آخر يقول (ص: 482/ ت: 394): «منتصف القرن الخامس عشر» بينما هي: «في النصف الثاني من القرن الرابع».

وفي (ص: 542/ت: 443) ذكر المؤلف أسماء أَشْهُر السنة الميلادية عند السكان المحليين (انَّاير –ينَّار- فورار ..إلخ) وبيَّن أنها تختلف في النطق عن أسماء أشهر السنة الميلادية المعربة التي تستعمل في أيامه (-جانفي-، فيفري، مارس…إلخ)، العجيب أن المترجم أورد الأسماء متطابقة!

بعد ذلك بصفحات يذكر (دوتي) ثلاثة ألفاظ ينطق العرب بها شهر يناير لكن المترجم يذكر لفظًا واحدًا!

6- أخطاء في تنسيق الكتاب

الترجمة أقل ضبطًا من الكتاب، ويشترك في تحمل هذه الأخطاء المترجم ودار النشر، وتصادفنا قلة الضبط مع أول صفحة ففيها الإشارة إلى أن الطبعة هي الطبعة الأولى بينما هي الطبعة الثانية لسنة 2018، ومن أمثلة قلة العناية أن المؤلف يضع الحروف السحرية المستخدمة في التعاويذ بين خطوط ظاهرة، بينما المترجم لم يفعل ذلك في بعض المواضع فاختلطت بالمتن.

ومن الأمثلة كذلك أن المؤلف كثيرًا ما يحيل على الصفحات السابقة بأرقامها عندما يكرر الحديث عن الموضوع بينما المترجم لا يحيل على أرقام؛ بل على فصول وهو ما يجعل العودة إلى الموضع صعبة، انظر مثلا هوامش (1) (4) (1): (ص: 312-313/ت: 251).

وقد سقطت بعض الجداول من الترجمة، انظر: (ص: 232، 251، 270) وسقطت كذلك فقرات كاملة، انظر مثلًا (ص: 249-251/ت: 208).

ووقع خلط وتحريف شديد في التهميشات وصل إلى درجة غير مقبولة في بعض الصفحات، إذ انعدم الترابط بين المتن والهامش، انظر مثلًا: (ص: 301-304/ت: 240-241) (ص: 388-389/ت: 316-317).

وفي مواضع من التهميشات تتحول أرقام الصفحات إلى فصول، وتغيب في أخرى أو تتحرف، انظر مثلًا: هامش (1) (ص: 309/ت: 248) هامش (2) (ص: 317/ت: 255).

7- وجود بعض الأخطاء المطبعية واللغوية

الأخطاء المطبعية واللغوية قليلة وهو ما يستحق الإشادة: من هذه الأخطاء قوله: «بل إن هذا التأثير واقٍ جزئيًا» والصواب: «واقع» (ص: 319/ت: 256)، وتحرفت «تتوجه» إلى «تتوجعه» (ص: 384/ت: 312)، وتحرفت «واد غير» إلى «غرب غير»، وفي (ص: 402/ت: 327) توجد ترجمة عامية مهلهلة: «روحي احكِ ذلك لابن سيرين» وقصده بروحي: اذهبي.

8- لم يعلق المترجم على أي شيء في الكتاب

ولا يعد هذا خطأ، وإنما هو عيب يُفقد العمل كماله، ولست أدعو إلى إثقال الأعمال بالحواشي وتكثير الاعتراضات وإنما المقصود الإتيان بما لا يتم العمل إلا به، وأضرب مثالًا على ذلك حتى يتضح المقال: نقل المؤلف في موضع أن النبي سمى الغراب فاسقًا، وأن المرأة خلقت من ضلع أعوج وعلق في الهامش بأنه لا يدري أين ذُكر هذان الحديثان (ص: 404) وهو ما يجعل القارئ يحتمل عدم وجودهما، فلو أثبت المترجم مكانهما لكان العمل أكمل، وموافقًا لرغبة المؤلف، ولم يكلفه وقتًا.

هذا بعض ما أحصيت، وهو يدل على غيره، ولم أتتبع الكتاب كله ولا قارنت إلا مواضع قليلة منه.

وأما أخطاء (دوتي) وشبهاته فهي كثيرة، وقد نقلها المستغربون وبثوها بين مثقفينا وشباب جامعاتنا، وافتتن بعض الناس به، فوجب الانتهاض للرد عليه كما رد السابقون على شيوخه (فلهاوزن وجولد تسيهر) وغيرهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد