لم ينتبه الكثير منا إلى عدد من القضايا المهمة كانت وراء حادث مأساوي وقع في قرية العمرة التابعة لمركز أبو تشت، شمال محافظة قنا الواقعة في صعيد مصر، بعد أن ظهر مشهد مرعب لامرأة يشق رأسها ساطور. وقيل إن المرأة التي ضربتها هي ضرتها؛ حيث نشبت مشاجرة بين الزوج وزوجته الثانية فطلبت منه الضحية، زوجته الثالثة، أن يخرج فخرج على إثر ذلك تاركًا البيت، فدخلت الزوجة الثانية بعد ذلك وكممت الضحية من الخلف وانهالت عليها بالساطور، ثم أغلقت باب البيت وفرَّت هاربة.

ورفضت مستشفى القرية استقبال المجني عليها، وجرى تحويل الحالة إلى محافظة سوهاج في رحلة استغرقت ما يزيد على ثلاث ساعات. وهناك استخرج فريق من قسم جراحة المخ والأعصاب بمستشفى سوهاج الجامعي، الساطور من رأس الضحية بعد جراحة استغرقت سبع ساعات، حيث كانت تعاني المرأة من جروح قطعية بفروة الرأس مع كسور بعظام الجمجمة وجروح قطعية بالجبهة.

تماثلت الضحية للشفاء وخرجت في لقاء في أحد المواقع الإخبارية وهي مبتسمة وروت تفاصيل ما حدث.

و اتضح أن «شيماء» هي الزوجة الثالثة للزوج، وأن زوجته الأولى توفيت وقد تركت له من هم في سن «شيماء» بل أكبر. ثم تزوج من المتهمة وأنجب منها بنتًا وولدًا. ثم طلقها وتزوج زيجته الثالثة وأنجب منها بنتًا وكانت حاملًا وقت وقوع الحادث.

وقد وجهت «شيماء» رسالة إلى الجمهور تطالب فيها بعدم تزويج بناتهم لمن هو متزوج، فإن الضُرَّة تغار وتحدث مشاكل كبيرة.

وعندما سألها الصحافي:«وجوزك كان موقفه إيه من المشاكل دي كلها؟ كان ينحاز لمن أكثر؟»

أجابت ضاحكة:«كان ينحاز لي!»

واستكملت قائلة: «قريب لنا نحن الاثنتين لكن أكثر.. أكثر أنا. أنا شايلة همه وأعرف تفاصيله…».

وبررت ذلك بسبب صلة القرابة وإأنها الزوجة الثانية.

بينما جاء اعتراف المتهمة كالتالي:

«طلقني زوجي منذ فترة ورفعت عليه قضية نفقة، وبعد صدور الحكم والتضييق عليه قرر يردني وكان متجوز الثانية، وعشت خدامة في المنزل لهم، ماشوفتش طعم الراحة وكان يفضلها عليَّ، ويسمع كلامها، ويعنفني على النفس اللي أتنفسه، وكانت تعاملني زوجته بقسوة وهو يعاملني بقسوة وعنف».

واستكملت حديثها قائلة: «كنت أستحمل وهي كانت تقوله كلام محصلش، وحسيت الدنيا واقفة ضدي ولا عارفة أتطلق وأتعب على النفقة ولا أصبر على الذل، وصبري نفد ومحستش بنفسي وأنا بضربها بالساطور علشان هي كانت السبب في الجحيم».

ووفقًا لإحصائية أعلن عنها المجلس القومي للمرأة، «فإن نسبة دعاوى النفقة تزيد على 70% من إجمالي الدعاوى المقدمة أمام محاكم الأسرة على مستوى الجمهورية، بينما تمثل قضايا الرؤية 4%، وفيما يتعلق بالشكاوى التي ترد إلى مكتب شكاوى المرأة بالمجلس، فإن النفقة تتصدر القائمة، تليها الرؤية، ثم التطليق للضرر، ثم مكاتب تسوية المنازعات، وأخيرًا الخلع».

ومن خلال حديث الزوجتين يتضح أن هذه الحادثة تكشف لنا أكثر من قضية: من بينها فرق السن بين الزوج وزوجته الثالثة، والتي هي أصغر من أبنائه.

موافقة أهل الزوجة على ذلك دون الالتفات إلى فرق السن بينهما، فهل هو الفقر الذي يدفع الأسر في القرى الريفية إلى رمي بناتهم في أحضان أي زوج؟!

وقد بينت المغدورة أن هناك صلة قرابة بينها وبين الزوج، إذن فهي وعائلتها على علم بمشاكله مع زوجته الثانية، وأنه يماطل في تسديد نفقة أولاده، فكيف وافقت هي وأهلها على تلك الزيجة من رجل لا يهتم لأمر أبنائه أو من كانت زوجته؟!

ويبدو أن زواجه الثالث حدث لإغاظة زوجته التي هي ضحية ثانية لهذا الزوج الذي استغل سلطته في الضغط عليها، وأجبرها على العودة له بعد رفضه دفع النفقة لها ولطفليهما وتعمد إذلالها بعد أن عادت إليه مكرهة. ومع ذلك فهو الآن حر طليق بعد أن كان سببًا مباشرًا في جريمة شنعاء راحت ضحيتها زوجته الثانية وكادت تودي بحياة زوجته الثالثة!

وفي سياق متصل روت لنا ربة منزل تقطن في محافظة السويس، حكاية ابنتها الشابة مع النفقة، حيث تزوجت من شاب كان يبدو سليمًا جسديًّا ولا يعاني من أي أمراض، لكنهم اكتشفوا فيما بعد أنه يعاني من داء الصرع.

وقالت الأم:«لقد عانت ابنتي كثيرًا، ومع ذلك لم تشأ الانفصال عن زوجها حتى بعد أن اكتشفت مرضه، لكن سطوة أهله جعلته يترك ابنتي بعدما وضعت ابنها بـ10 أيام حتى جاءنا خبر أنه تزوج من فتاة أخرى، رغم أن الجميع يعرف أن ابنتي ما تزال زوجته وأم ابنه الرضيع، وصدمت ابنتي على إثر ذلك، وحبست نفسها في غرفتها ورفعنا قضية خُلع وقام والد طليقها بتزوير مفردات مرتب ابنه من خلال التواطؤ مع العاملين بالشركة، حيث يعمل في إحدى الشركات الكبرى في محافظة السويس. والآن حفيدي في سن الحادية عشرة، ويحصل على نفقة 600 جنيه فقط بعد مماطلة في الدفع، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل كلما طلب والده رؤيته في أحد النوادي يذهب زوجي بصحبة الطفل وينتظر أحيانًا بالخمس ساعات ولا يأتي أحد، وفي كل مرة يحدث ذلك يبقى حفيدي يبكي ثم يتحول على غير عادته لطفل عصبي بدون سبب وسيئ المزاج.

بينما قالت «إيمان»، تعمل سكرتيرة في أحد المكاتب الخاصة، لقد تركت زوجي لأنه بخيل وضعيف الشخصية حتى إنه لم يستطيع التصدي لعائلته عندما قاموا بضربي أنا وأمي وأبي. وفي مقابل الطلاق وحتى لا أحصل على النفقة، طلب مني التنازل عن أبنائي وأخذهم مني، والآن تزوج من أخرى وأرى أبنائي على فترات متباعدة.

ويرى البعض أن الأمل الآن في قانون الأحوال الشخصية الجديد، حيث صدق الرئيس، عبد الفتاح السيسي، على إقرار تعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون 58 لسنة 1937 على المتهربين من سداد النفقات المستحقة عليهم، أصبح يعاقب كل متهرب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز 500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

بينما أشار خالد مختار، محام بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، من خلال جريدة «أخبار اليوم» إلى «أن هناك أمرًا مهمًّا يجب الالتفات إليه، وهو وضع آلية التنفيذ وتطبيقها، ووضع المحكوم عليهم في قضايا النفقة ضمن أولويات الضبط، كذلك فيما يتعلق بعمال اليومية فهناك صعوبة في الاستدلال على أماكن عملهم وبالتالي يستغرق الأمر أوقات طويلة في ظل معاناة الزوجة والأطفال الذين أصبحوا في أمس الحاجة إلى النفقات وتوفير الاحتياجات الأساسية للحياة».

لهذا يبدو أن الأزمة لم تنته بعد، بل إن هناك عدة أسئلة أخرى تطرح نفسها:

من يعيد للمتهمة بضرب ضرتها بالساطور حقها المهدور من زوجها؟

وما مصير طفليها مع أب كان سببا مباشرة في تحول والدتهما إلى مجرمة تنتظر مصيرها خلف قضبان السجون؟

بل كيف سنعوضهم ونعوض الكثير من الأطفال عن معاناتهم؟

وكيف تخلق وعيًا في عقول الكثير من الأسر يؤهلهم للحفاظ على بناتهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد