هم يشعرون بذلك الإحساس الغريب، إحساس اللذّة الذي يُلاحَظ دائمًا حتى لدى أقرب الأقرباء حين يرون شقاءً يحلُ بقريبهم؛ وهو إحساس لا يخلو منه أي إنسان، مهما يكن إحساسه بالأسف والشفقة صادقًا.

الجريمة والعقاب دوستويفسكي

كنت أنبهر أندهش بل بالحقيقة أنزعج عندما يتطرق دوستويفسكي إلى تحليل فعل ما قام به أحد أبطال رواياته، حيث يفرد لذلك الحدث العشرات من الصفحات ليس لتحليل شخصيته بالمجمل بل إنما لتحليل لما قام بهذا الفعل بالذات، ولكن بالآونة الأخيرة بدأت أقدر ما كان يقدم عليه وتخطه يديه، فالنفس البشرية جديرة بذلك وأكثر فهي ليست آلة ذات تروس تعمل بشكل منظم ومدروس، إنما هي نفوس وما أدراك ما في النفوس ففيها المؤمل والمتعوس.

أخذني التفكير كثيرًا في الفترة الأخيرة وتهاوت علي الأسئلة من كل حدب وصوب، وكان أبرزها هل الصفات السلبية تكتسب؟ بمعنى هل شخص بعد أن يكبر بالسن بالإمكان أن تتملكه بعض الصفات السيئة التي لم تكون فيه؟ وأنه بدل أن يتفتح ذهنيًا وينضج عقليًا ينتكس فكريًا فتتمكن منه صفات كالسفاهه والصفاقة والحماقة والرقاعة… إلى آخره وهل هذه الصفات كانت موجوده وغير مرئية أم أنها محدثة وطارئه، وهل هناك عوامل نفسية وأسس فسيولوجية أدت إلى إبراز تلك الصفات السلبية، فهذه لا أعتقد أبدًا أنها نتاج يوم وليلة، بل هي تراكمات نفسية نهجت به لذاك المنهج فأنتجت هذا المنتج.

فالسفاهه صفة استبدادية تأنف منها الإنسانية، يرهب بها السفيه على الآخر فلا يقرها دين ولا يوقظها ضمير، فمن عثرات السفيه أنه كل ما حلمت زاد من سفاهته فهو يراك عبدًا له وأنك لا تجبه خوفًا منه.

المعضلة هنا عندما تعيد حساباتك وتسترجع أرشيف إنجازاته، لا تجد له عندك شيء ولا يمن عليك بشيء، فأنت لست بمديون له، ولم تسرق من حلاله، ولم تجن على أحد من أحبابه، فلماذا يجنح لهذا الفعل وينهج هذا النهج؟! من هنا نكتشف أن السفاهة لا تأتي فردية بل زوجية، فهي بالأغلب تكون مقرونة بصفة أخرى معها، ولا تقل بشناعتها عنها؛ واحطاطها منها، ولذلك سنحاول أن نبين بعضها.

السفيه الجبان

السفيه الجبان هو من يكرس سفاهته على ذوي القربى ويتنمر عليهم، وهي نتاج حالة نفسية تحتويه وتخبط أرعن يعتريه، فهو يواجه من سفهاء آخرين على شاكلته، أن كان في مجال عمله أو في تجارته فتزيد الأعباء النفسية عليه، وهو معها لا يستطيع أن يواجههم بالمثل وبقوله إنه يترفع عنهم، وهو ما هو سوى مرتعب منهم.

السفيه الأحمق

من حماقة السفيه أنه لا يعلم ما سفهه فهو هنا يكتسب غير صفة السفاهة الحماقة، فيطلق الكلمات على عماها دون النظر لمعناها، هكذا دون أن تأخذه شفقة ورحمة، ولا يبدي أي نوع من الرأفة بطريح فراش يعاني، ولا سقيم من الألم يقاسي، لا يرجح أبدًا عقل ولا يبدي أي خجل، وهذه الحالة الأقرب للبهيمية يكتسبها من كثرة مقاربة الحيوانات واختلاطه بها، فالحيوان لا يدرك الصفات الإنسانية ولا الأخلاقية، فلا يعرف الخير من الكير، والبعير لا يعرف إلا الهدير، والخروف لا يعرف ما ينطق به من كلمات وحروف.

«أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا».

السفيه الحقير

لا يملك شجاعة الاعتذار. وينكر ما أقدم عليه وخرج من لسانه بكل اقتدار، يبرر بأنه فهم بشكل غير واضح وأنه لم يقترف أي فعل فاضح حتى يكون عليه نادم، فهو لا يستطيع أن يخرج ويبرر فعلته فتبريره هو تأكيد لها، فينقل نفسه من خانة السفاهة التي يرزح بها إلى خانة الحقارة ليرتع بها، كما الخراف تأكل كل ما هو أمامها دون النظر أن كان هذا المأكل مضر أو مفيد لها، فهو فقط يريد أن يملأ بطنه مما أمامه فيتصور أنها فرصته ليخرج بعض ما في جعبته وليبين معرفته، فلا يتورع أن يقول مهما كانت الظروف، يحاول أن يجاهر بآرائه المتخلفة، ويكسوها بغلاف النصيحة المجردة، وهو يعلم أنها أمام الصبية غير متقبلة يتفرد بقول الكلمات، ويحاول أن يتكسب في أحلك الأوقات.

السفيه الجاهل

القاعدة الفقهية تقول الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ما هي الصورة الموجودة في الخلفية لديه التي أوجدت هذه التهم ليحكم بهذا الحكم؟! هناك جهل وهناك الجهل المركب، فالجاهل يتحدث بما لا يفقه، ولكن الجهل المركب من يتحدث بما لا يفقه وهو يعرف أنه لا يفقه فينظر للناس على أنهم أغبياء، وهو الذكي فيهم وهو العالم بأمور دنياهم وأعرف بها أكثر منهم، فهذا يهرف بما لا يعرف، ويهذي بما لا يدري، ولا له مقصد سوى أن يؤذي. يقول تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا».

يقول عمر بن كلثوم ضمن معلقته الشهيرة:

ألا لا يجهلن علينا أحد فنجهل فوق جهل الجاهلين. فالبعض يتوقع ما يفعله هي الجهالة بعينها، ولكن أن كان هذا جهل في مفهومه ففي مفهوم غيره يختلف، فمستوى الجهالة ومفهومها عند الحليم لا يقارن مع أي جهاله قبلها فلذلك يقال: اتق شر الحليم إذا غضب.

ويقول عنتر بن شداد:

وَلِلحِلمِ أَوقاتٌ وَلِلجَهلِ مِثلُها

وَلَكِنَّ أَوقاتي إِلى الحِلمِ أَقرَبُ

السفيه المتغطرس

ماذا يريد أن يغرس هذا المتغطرس في فكر الأجيال الصاعدة، هل هي نبتة الغيرة والحقد فيما بينهم؟ هل بكلامه يريد أن يكرس في أذهانهم عدم احترام كبارهم؟

ما هو المسوغ الذي اتبعه والطريق الذي سلكه لقول ما قاله، ألا يخف من البلاء وهو لديه أبناء! لا أحد يشمت في مرض ويتشمت في مريض سوى من في قلبه شقاء أو في عقله بلاء، لا أدري ما حل به وماذا دهاه، ولا أعلم من ذاك الذي تسلل إلى فكره وعبث بإعدادات عقله، فلم يعد يميز بين العدو والصديق، ولا يدرك الفرق بين الخبيث من الحميد.

يقول علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه: إذا وضعت أحد فوق قدره، فتوقع أن يضعك دون قدرك.

الناس أجناس وأشكال منهم الشريف النبيل وهو من تجده في وقت الضيق يقف معك يؤازرك في أزمتك، ويسندك في محنتك يمسح على جراحك ليخفف من آلامك، ومنهم من يتكسب على الجراح، ويعدها فرصة سانحة ليضع بصمته ويمارس هوايته يتوقع أنه بذلك سجل انتصار، وأنه من أهل النظر والأبصار، وهو ضائع في نفسه غير مدرك حجم خطيئته ومدى تأثيرها على الغير، فهو كمن يضع الملح مكان الجرح ليعزف على أوتار أحزانك ويستمتع بسماع آلامك، يغمض عينيه عن الأسباب ويجنح لسباب لا يقدر صلة قرابة، ولا يفرق بين الوسطى والسبابة!

هناك شيء يدعى ذوق وأخلاق، وقبلها وأفضل منها شعبة من شعب الإيمان تدعى حياء. وهي أسلوب حياة، صفات لم يعد ينظر لها ولا يؤخذ بها وحلت بدل عنها ما هو عكسها، ما فائدة التعليم إذا طمست الأخلاق، وأصبح حالها عديم ووضعها غير سليم، ألا تخبرني أيها الأب الفهيم؟

أُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ جَهْدِي

وَأَكْرَهُ أَنْ أَعِيبَ وَأَنْ أُعَابَا

وَأَصْفَحُ عَنْ سِبَابِ النَّاسِ حِلْمًا

وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ يَهْوَى السِّبَابَا

وَمَنْ هَابَ الرِّجَالَ تَهَيَّبُوهُ

وَمَنْ حَقَرَ الرِّجَالَ فَلَنْ يُهَابَا

العالم مليء بالسفهاء والحمقى، وكل إناء بما فيه ينضح، فعلينا أن نتجاهل ولا نتعامل مع منه بالصفات السيئة. نعمل العقل ونتعامل بمستوى أخلاقنا، ولا ننزل أنفسنا إلا منازلها فمن يجادل سفية فهو مثله ونزل إلى منزلته.

وفرز النفوس كفرز الصخور

ففيها النفيس وفيها الحجر

وخير الكلام قليل الحروف

كثير القطوف بليغ الأثر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد