ماهي المأساة الحقة.. هل التي تعايشها بكامل تفاصيلها وأنت بها أعلم أم تلك البعيدة المغلفة بسياج براق لا ترى منها إلا نور الهدى وهالات الصلاح وفجأة تتجلى لك كأقبح ما تكون؟ بصورة أخرى

أهل مكة أدرى بشعابها

بعدما تتجاوز عيناك العشرين ولربما الخمسين صفحة ستراودك هذه العبارة مستفهمة عن مدى إمكانية إنزالها على العمل الذي بين يديك، غير أنك في حضرة هذا الوحل الذي غرزت فيه لا تمتلك رحابة التفكر وإعطاء الإجابة فإما أن يجرفك ثقله بحركته البطيئة إلى حيث لا تدري متحاملًا على رهقك النفسي فيه، وإما أن تتشبث بأقرب دافع قيمي تتسلقه وينتشلك مما أنت فيه ولو حتى على سبيل الانتظار لجفافه وتيبسه، فالمهم أن تبتعد بأي صورة وبعدها تفر من عليه فرار المارقين.

على عتبات النقد نقف

هل المأساة في جهلك أم دناستهم أم في كاتب قرر أن يسخر حبره الأسود ليسكب هذا العمل الذي لم يترك قيد شبر، إلا وترك فيه من أثره، وهو الذي قدم في البدء إهداءً بنكهة الاعتذار باسم بطل الحكاية حين قال:

«التلويحة شارة للبعد.. للغياب

وهنو لم ترفع يدها أبدًا..

فأي خيانة اقترفتها حين لم تلوح من بعد!

لها ولبقية من عصفت بهم في طريقي ينداح هذا البوح القذر».

طارق فاضل.

غير أنه اعتذار مفخخ؛ فما قيمة أن تعتذر وفي ذات الوقت تلقي اللوم على أول من آمن بك فكفرت به، أول من ابتغى صلاحك فأسقطه، أول ضحاياك وأكثرك فتكًا بهم.. أمن فجور النفس الدنية هذا؟

«ترمي بشرر» للكاتب السعودي عبده خال

الدراما السوداوية في أبشع صورها تنسال على سطور رواية اجتماعية ألحق ذيلها الكاتب بما يسمى البرزخ الذي ضمن الأسماء الحقيقية لنساء القصر، ومنشتات صحافية للعديد من الوقائع التي درجت خلال السرد الروائي؛ ليلصق بها صفة الواقعية متفاديًا حماقات القارئ، وربما تأثره بما شاهده على الورق؛ فينقلب السحر على الساحر ويجد الكاتب نفسه متهمًا بها من قِبل قارئه.

الفكرة

لا أحد يغفل برنامج شاهد على العصر الذي تقدمه قناة الجزيرة، يستعرض من الخبايا السياسية والإقتصادية والمجتمعية وما يتعلق بالحروب والسجون وصفقات الزعامات الدولية خارجيًا وداخليًا وكل ما يعجز الإعلام عرضه في توه وحينه من أحداث، تمامًا كهذه الرواية، والتي وقر في نفسي حال القراءة، وأكده البرزخ بأنها كتبتْ قدرًا لالتقاء البطل بالكاتب ولولا ذلك ما كانت، ومن ثم فهي كتبت لتكون شاهدة على فترة زمنية بعينها وقصرًا بعينه وسيدًا بعينه وطارقًا واحدًا هو راويها وبطلها وشاهدها الأبرز يسرد ويروي كل ما رآه وعايشه دون حجب.

وقياسًا على البرنامج السالف الذكر فإنه بإمكاننا أن نستخلص من داخل هذه الشاهدة الروائية جملة واحدة معبرة وكما تسمى في الأعمال السينيمائية الـmaster seen كما أنها تحاكي العمل بأكمله، وتجعلنا نعرف أين يقف بنا الكاتب، وليس شرطًا أن يكشف لنا عما يرومه، وهذا ما فعله عبده خال حين قال على لسان راويه:

«غدا سفك دم العذارى المتعة التي توصل زوار قصره إلى قمة النشوة، خيط دم يسيل فيحرك الفرح الراكد في تلك النفوس، بينما الدم المسفوك على الخريطة العالمية هو دم فاسد جالب للكرب».

قيامة الرواية

الرواية محدد فيها العنصر «الزمكاني».. فأما المكان مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية تحديدًا دون التسمية قصر السيد وحارة جهنم أو الحفرة، المتناقضين على تطابق، المتجاورين على انفصال، المطلان على بحر يشهد فجورهما وما من تقوى تذكر، يشهد عذابات الأرواح المستغيثة وما من متنفس، يشهد تلوي الأمعاء الخاوية وما من لقمة تسد رمق المتاهفتين ولو على نتن.

وأما الزمان فهي حكاية لحياة البطل الذي أعطى السيد 33 عامًا من (…) مجازًا أقول من عمره، وما قبلهم كانوا مراقين في دهاليز الحارة المنسية من الحياة، وقد لحق بالقصر في عمر السابعة عشر تقريبا أي أننا أمام سيرة ذاتية لـ50 عامًا تقريبًا، وقد انتهت في اليوم الأول من العام الهجري 1430 والجدير بالذكر، كانت هذه الأحداث في فترة الانتعاش الاقتصادي والنفطي والثراء الذي رمى بأرديته على المملكة.

الحبكة

لم تكن الرواية بذات عقد عصية التوقع رغم تفرعها إلا أن جميعها يصب في العقدة الأم بانسيابية، تستشفها خلال توافق توقعاتك مع يأتي به السرد في ملاحقته بالأحداث، حتى بالرغم من استئصال الكاتب لخلفيات نفسية وحدثية تخص بعض شخوصه مثل عيسى الدريني ومرام وأعاد سردها تحت عنوان منفصل داخل العمل كرغبة تنويرية للكاتب فيما يخصهما كان مستشفًا من السابق إلى حد كبير، لكنه بدا تجديدًا في شكل سرد الروائي.

السرد والحوار

جاءت الراوية كحلة سردية قشيبة مسبلة في ارتخاء، يتخلهها بضع حوارات معدودة على طولها، وكأن الغرض منها لفت الأنظار إلى المكان مجرى الأحداث فتستدل منه على ملمح حركي أو لفظي ملازم لبعض أبطال الرواية، وقد واراه السرد في ظلال سطوره وأجلاه الحوار في بعث جديد.

ابتدءت الرواية بسرد متسلسل مترابط عن حارة الحفرة ومستنقعات الرذيلة الغارق بها أهاليها، ثم ما لبث أن انتقل الراوي عند بزوغ أولى عقد الرواية وانطلاق البطل في رحلة التيه باتباع النوع التناوبي من السرد والذي كان بمثابة حجر عثرة على السرد بشكل عام، ففيه عرج الكاتب إلى إعادة حكي بعض الأحداث بنفس الأسلوب دون إضافة تنويرية للقارئ فجاءت من باب الحكي للحكي.

لكن على جانب آخر هناك من الفلسفة ما تجعلك تتغاضى كثيرًا عن هذا الإطناب، فتتلذذ بها وتعيد قراءتها مراات ومرات، خاصة وأنها غرست وسط السرد الحدثي لتؤازر القارئ المتقزز من كم هذه القازورات التي تلقى أمام عينيه في كل لحظة، وتنتشله إلى سماء التأملية، وفي هذه النقطة تحديدًا يتجلى إبداع عبده خال حين استطاع غرس فلسفته الخاصة ببيانية بديعة تستقطب الحس والذهن معا في طين لزوجته عفن.

 الفلسفة هذه تسحبك إلى عالم مغاير تشعر فيه بأنك ملقى داخل العالم الفكري للكاتب ذاته وليس الراوي الذي لم أجد له خلال صفحات الرواية أجمع وما تلاها من تحقيق ما من شأنه مقومات تؤهله لامتلاك هذه المقدرة الفلسفية العالية التي طوعت الحروف بسحر عجيب لسبر أغوار الحياة الساقطة وما يحوم بها.

اللغة والبيانية المغرقة

لغة خاصة جدًا، وحين أقول خاصة فوجه الخصوصية هنا يتعلق بخيال الكاتب التصويري وحسب، إذ إنه ليس مستعارًا من جحافل التشبيهات المترامية هنا وهناك عند الكثير من الكتاب، بل من قاموسه الخاص الذي ينتمي إلى طبيعته البيئية على وجه الخصوص؛ كأن تجد البادية ووديانها وكثبانها وخيلها متجسدة في كل تعابيره عن المرأة ووصفها كجسد وروح وطبيعة.

المعالجة الروائية والرسالة

مثل هذا النوع من الروايات هو بمثابة تأريخ لواقع وإن في حقيقة الأمر فإن كله رواية هي تأريخ شاءت أو أبت، وشاء كاتبها أو أبى، القارئ المتواتر على الرواية عبر الأزمنة هو من يستطيع أن يهبها هذه الصفة حين يصفها في زمن مغاير ولجيل متقدم، ولذلك فإن عملية الرصد هي الشغل الشاغل له، والذي في غمرتها تتيه رسالة العمل، وربما يغفل الكاتب أو لا يمتلك القدرة على تقديم المعالجة الكافية.

هنا بعدما أنهيت بوحه المشؤوم صِحْتُ في الكاتب أين رسالتك؟

أين مرامك بعدما فجرت هذه البطون المتخمة بالفقر والجوع والتشرد وقبل ذلك وأثنائه وبعده موبقات لاحصر لها يشيب لها الولدان منها، والذي تعمدتَ أن تساوي فيه الجميع القصره بسيده وساكنيه وزارفيه، والحارة بأهلها إلا واحدًا استثنيته وهو إبراهيم إمام المسجد.

أسوأ ما في الرواية هي الصبغة الشمولية للأوزار والتهميش المتعمد لهذا المستثنى ولطهره، الصيغة أظهرت المجتمع السعودي ككل بصورة مشوهة مرعبة منافية تماما لحرمة حرميها وما نقش على علمها الأخضر.

النهاية

ترك الكاتب زمام النهاية للإغراق النفسي يتولى أمرها مع قارئه في مشهد تنويري متوقع من قْبل إجلائه.

النهايات المأساوية ذات الصدمات الناطقه المستنطقة لكل الدواخل، تصنع في النفس البشرية تماوجات عجيبة من (الرفض والقبول، والنزق والتراخي، والعنفوان والركون، والقوة والوهن) كل هذا في آن واحد، لا انفصام يذكر فيما بينها بحسبة الزمن، وهذا الذي فعله عبده خال بسرد بديع اشتمل على كل هذه الأضداد في السطور القليلة التي تسبق كلمة: تمت.

وكأني رأيته يأخذ قسطًا من الراحة ليتابع بملحقه البرزخي، والذي سرد فيه أيضًا بالإضافة إلى ما أشرت في البدء، نهايات لأشخاص بعينهم داخل العمل كل على حده في سطور قليلة موجزة.

شخوص العمل

متعددة وكثيرة ومترامية هنا وهناك ومع ذلك كل له اسم ولقب وإن كان حقيرًا عداه السيد؛ فليس له اسم تكفيه السلطة المتجبرة، والسيادة الدموية؛ فما حاجته باسم يرفق باللقب وهو الذي تنطق كل أفعاله بأنا ربكم الأعلى.

يحسب للكاتب إجلاء الجانب النفسي لشخوص عمله ببراعة تفصيلية وعبارات ثاقبة فلو أخذنا عمته خيريه كمثال والتي كانت له بمثابة الشماعة التي يلقي عليها كل ما يقترفه من آثام.

ذكرى بعض الشخوص داخل العمل كانت مصدر انبعاثات ممزقة للروح، فأنت بالأساس متوحد معها بكامل تفاصيلها معايش لألمها، ظلمها، نزفها السيال قاب قوسين أن تتحس نفسك لتجد قطرها قد أصابك، فكيف بتداعياتها على البطل الظالم المحب في آن.

انتقام القدر الذي أجلاه الكاتب في شخوص عمله، فكانت هذه تأخذ بثأر هذه وهكذا.

مرام وتورط البطل معها في قصة غرامية ظانًا منه أنها قد تنسيه حبيبته تهاني وأشباحها المطاردة له بفعلته الدنيئة، فإذ به يتورط في زنا المحارم دون علمه بأن تلك المعشوقة الثانية كانت له أختًا من صلب أبيه.

الرواية وجائزة البوكر

لعل ما هيأ هذه الرواية لحصد الجائزة ثلاثة أمور أهمها وأولها وفق رؤيتي:

• التعرية التي قامت بها لمجتمع عربي عرف باسم المجتمع الوهابي، أي أن الدين هو العباءة التي تلتحف بها دولة بأكملها حكومة وشعبًا، فإذ بالكاتب ينزع هذه العباءة نزعًا مريعًا مريبًا في شمولية مقصودة، ولو أهلت هذه الرواية لحائزة الأدب العالمي لحصدتها بسهولة فهي تتناسب وجدًا مع التيار العلماني المؤازر لكل ما من شأنه كشف عورات المجتمع العربي والإسلامي.

• السرد التفصيلي بشقيه (النفسي والمادي) الذي يصل إلى حد الإطناب، وهذا عهد الكثير من الروايات الحاصدة للجائزة وميل القائمين عليها لمثل هذه النوعية السردية.

• اللغة وهي البيانية الخاصة من خلال خيال تصويري تتجسد كتمثال من حسْن رغم نارية مظهره نحته وكل تفصيلة فيه بأزميل متمرس.

في الأخير أنت أمام رواية مأساوية تعكس الوحه الأسود للمجتمع، فتهيأ قبل أن تلج وإلا فاحذر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد