الأعياد والأيام الوطنيّة في الجزائر كثيرة ومتعددة، ولا يخلو شهر واحد من عدّة الشهور إلا واحتوى على عيد وطني، ونحن في شهر أبريل (نيسان) يجوب في الأفق والخواطر يوم السادس عشر منه، الذي بات مناسبة خاصة جدّا لدى الجزائريين، بالرغم من كونها ذكرى لوفاة واحد من أعم شخصيات العصر الحديث في الوطن العربي والإسلامي، ألا وهي ذكرى وفاة الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمة الله عليه، ذكرى حوّلها الجزائريون لعيد سموه عيد العلم تيمنًا برائد العلوم والإصلاح في ذكرى وفاته.

لم يكن سبب مباشر لارتقاء أية أمة سوى العلم، وفضل العلم والعلماء لا ينكره أحد، فهم شموع أضاءت درب البشرية منذ الأزل، ورحم الله من قال:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنّهم … على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه … والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم ولا تطلب به بدلًا … فالناس موتى وأهل العلم أحياء

فالعلم لا يعرف حدود الزمان، ولا المكان، ولا يكبر بالتقادم، ولا بأرذل العمر، وله أهمية كبيرة في حياة الأفراد والمجتمعات، فلم تكن البشرية لتتطور وتصل إلى ما وصلت إليه اليوم من تقدم فاق التقديرات، دون العلم والمعرفة، ومن بين الروابط المباشرة بين العلم وعيده في الجزائر، رائد النهضة والإصلاح الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إبّان الاحتلال الفرنسي، وقد كان للشيخ دورٌ كبير في تنمية الوعي لدى المجتمع الجزائري، وحارب التقاليد الخاطئة والأخلاق المشوهة والفاسدة التي زرعها المحتل الفرنسي لطمس الهوية العربية الإسلامية للجزائريين، الذين دفعوا من أجلها الغالي والنفيس.

ولد الشيخ عبد الحميد بن باديس في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) من عام 1889م بمدينة قسنطينة، والده كان الشيخ مصطفى ابن المكي ابن باديس أحد أعيان قسنطينة، أمّا والدته فكانت زهرة بنت علي بن جلول، حفظ الشيخ عبد الحميد كتاب الله في سنّ مبكرة قاربت الثالثة عشر على يد الشيخ محمد المداس، ثم تلقى المعارف اللغوية والنحوية على يد الشيخ أبي حمدان لونيسي، في سنة 1908 مسافر إلى تونس للالتحاق بجامع الزيتونة ليتخرج بعدها بشهادة عليّا، ليرتحل بعدها سنة 1913م إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، رحلة استغلها الشيخ ليمر عبر عدة محطات تعليمية، مرورًا بالقاهرة، وجامع الأزهر، ثم الشام، والجامع الأموي بدمشق، والمدينة المنورة، بلاد العلماء، هذه الأخيرة مكث فيها عدة أشهر حيث ألقى بها عدة دروس ومحاضرات، التقى في أحدها شيخه أبا حمدان لونيسي والشيخ أحمد حسين الهندي، هذا الأخير نصح الشيخ بالرجوع إلى الجزائر؛ نظرًا لحاجة الشعب الجزائري له ولعلمه وفكره، أخذ الشيخ عبد الحميد بالنصيحة.

عاد الشيخ إلى الوطن ولسان الحال يقول:

بمثلكم تهتز البلاد وتفخر … وتزهر بالعلم المنير وتزخرُ

طبعت على العلم النفوس نواشئ … بمخبر صدق لا يدانيه مخبرُ

استقر بعد ذلك الشيخ بقسنطينة، وباشر ببناء المدارس، وتعليم الصغار والكبار، كما لم يغفل عن تعليم الفتيات، وأنشأ أوّل مدرسة للبنات بقسنطينة عام 1918 ، وساهم في فتح عديد النوادي الثقافية كنادي الترقي بالعاصمة ،وعمل على العودة بالاسلام إلى الطريق السويّ حيث حارب البدع والخرافات التي أبتدعها المستعمر ،وأدرك الشيخ أهمية الصحافة في توعية الجزائريين فسارع إلى المشاركة في تأسيس جرائد النجاح عام 1919 ، المنتقد سنة 1925، ثم الشهاب في نفس السنة، وشارك بكتاباته في العديد من الجرائد.

وفي تاريخ 05 مايو (أيار) 1931م،تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بنادي الترقي بالعاصمة الجزائر، تحت شعار: الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا، وانتخب الشيخ عبد الحميد رئيسًا لها، حيث ناضل مع رفقائه العلماء بالقلم والمحاضرات دعاة الاندماج، ورسخوا معاني حبّ الوطن للجزائريين، ورافعوا للمقاومة كسبيل لا مناط له للاستقلال، وأخرجوا جيلًا حمل الأفكار قبل حمل السلاح تكفل بتفجير الثورة التحريرية.

يوم السادس عشر من أبريل (نيسان) عام 1940 تفيض الروح الطاهرة إلى بارئها، ويغادرنا إلى الأبد الشيخ عبد الحميد بن باديس تاركًا خلفه بصمات عميقة الآثار، ومخلفًا وراءه ذكرى عطرة يتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل.

يا قبر طبت وطاب فيك عبير … هل أنت بالضيف العزيز خبير

هذا بن باديس الإمام المرتضى … عبد الحميد إلى حماك يسير

للجزائر رجالٌ وعظماءٌ وعلماء، قد لا نعرفهم، وقد لا نستطيع ذكر كل خصالهم وبطولاتهم، لكن عزائءنا الوحيد أن التاريخ تكفل بهم، وبما جادوا به في سبيل هذا الوطن، عيد العلم عيد العلماء عيد الجزائريين صغيرًا وكبيرًا، اللهم ارحم من علمني حرفًا، نطقًا، كتابة، وتأليفًا … سادتي  العلماء والأساتذة والطلبة!  كل عام وأنتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد