كنت في أحد الأيام، كغيرها من الأيام قد استيقظت مبكرًا وبجو منعش وبارد أيضًا، تفوح شذاه في الأجواء؛ تذكرني بمولود يوم جديد؛ بحره وبرده، وبأفراحه وأتراحه. فقمت من مضجعي أتلو آيات من كلام ربّ العالمين وأدعية الاستيقاظ لعلي أوفق على خيرها، وأبتعد من النوازل والحظوظ السيئة.

أقوم وأتمايل لكي تتفتح عروقي وتترمّم عضلاتي بعد توقّف طويل، وآهات لطرد آخرهم. ثم أغتسل وأتوضّأ وأتوجّه إلى بيت الله مكررًا المأثورات من الأذكار، ثم أصلّي بعدها مع الجماعة راجيًا أن أكون ممن هم «في ذمة الله»، ومن هناك أستهلّ يومي، وأعمالي الروتينية.

أردت القيام بشيء جديد، شيء يصعب على نفس تعيش في هذا الزمن، وبهذا العمر، وتصل درجة الصعوبة إلى أوجها، ويتحوّل إلى صراع يكون المنهزم والفائز فيه «أنا»، إنه «يوم بلا شاشة زرقاء»، والكل يدرك ويتيقّن صعوبة هذا الاختبار في نفسية كثيرين منا، كيف من الممكن أن تزاول حياتك اليومية بدون هذه الآلة، إنه اختبار مرير يحتاج إلى التجشم والاستعداد النفسي المسبق، ولكل واحد منا قصته.

أولًا وقبل كل شيء، لقد قمت بقفل جميع الأجهزة مبتدئًا من الحاسوب والتلفاز وانتهاء إلى الجوّال، ثم ذهبت إلى محل عملي، تاركًا جميع أدوات الاتصال ورائي، فركبت السيّارة؛ ودفعت نقودًا ورقية والتي أعددت لها مسبقًا بمبلغ ليس باليسير لمواجهة هذا التحدّي.

وبعدما وصلت إلى مكتب عملي، طلبت التعامل مع الإجراءات ورقيًا بعد قطع الكهرباء من الحاسوب نهائيًا، وبذلت الجهد قدر الإمكان لتنفيذ الخطّة، واستخدمت الأقلام والأوراق والأختام بأنواعها لمزاولة أعمال المكتب، ولتنشيط أعمالي بعيدًا عن تلك الشاشات.

انتهى دوام العمل، ومما لا أنسى كذلك هنا؛ أنني دفعت جميع استهلاكاتي بهذا اليوم من طعام ومواصلات بالتداول الورقي، ونجحت بذلك والحمد لله، ولكن الموضوع الأكثر أهمية في هذه القصة لم يكن فقط بمحل عملي أو دفع الفواتير، وإنما كان في موضع آخر، ألا وهو التواصل البشري بعيدًا عن الاتصال المباشر والاحتكاك بهم عبر خدمات شركات الاتصالات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

خطّطت لعمل بديل عن تلك الاتصالات؛ والمعلوم غالبًا في علاقاتنا اليومية أننا نعطي الأولوية كثيرًا في استخدام أدوات التواصل الاجتماعي، لذا قمت بعدة جولات لزيارة أقرباء أبعدني عنهم مشاغل العمل، والانكباب على الهواتف، والاكتفاء بالمهاتفة معهم.

فذهبت إلى بيت عمي الكائن في ضواحي المدينة، والمبني بالطّوب وأدوات البناء التقليدية، وله ساحات واسعة مفتوحة الأجواء، وترابها الأحمر والطبيعي جدًا، جلست في فناء البيت؛ بجو يملؤه الوئام والقربة، وكان الحديث مشوّقًا جدًا؛ والتبادل المعلوماتي والابتسامات كانت سمته، ومن هناك قمت كذلك بعدة زيارات قصيرة أخرى.

وانتهى يومي متنقلًا بين زيارة وأخرى، ولم أحسّ ولو قليلًا بالتعب والملل، بل زدت نشاطًا وحيوية، والفائدة العظيمة التي اقتطفتها لم تكن نزرًا يسيرًا، وما زلت أتلذذ بها إلى يومنا هذا. ومن هناك استنبطت دروسًا لم تكن بمتناول يدي يومًا، والغريب أنني كنت أظن أنني أواجه تحديًا، ولكن حصل معي العكس؛ فصارت فوائد جمة حصدت منها الكثير.

ومن الدروس المستفادة من هذه اللفتة، أن حياتنا تغيّرت وبصورة واسعة منذ أن دخلت أدوات التواصل الاجتماعي بأنواعها المتعدّدة، والتي تزداد يومًا بعد يوم بصورة مطّردة، ولم نسلم منها، بل صرنا في سجن من سجونها لا ننفك عنها مهما حصل طارئ مهم في حياتنا، وهي تنهش علاقتنا واحدة تلو أخرى، ولم نعد نستفيق منها. ولو حاول أي واحد منا تطبيق فكرة الأخذ والرّد منها لتعافينا منها.

وهنا تختتم الخاطرة مشيرة إلى أن حياة الافتراضية والانكباب على الشاشات الزرقاء، خلقت انعزالًا نفسيًا، وانقطاعًا لأواصر الحياة الإنسانية المباشرة، وتشتّتًا لعلاقات الأسر والأصدقاء، والمجتمع بعمومه صار في خطر لا تحمد عقباه، ولذا من الحكمة والعقلية جدًا، أن نفهم مكمن هذا الخطر الذي يهدّد وجودنا وبحق. فأخذ البعض خير من القطع النهائي أو الاستسلام العمياني. وليس الأمر غريبًا إذ إنّ الحياة المعاصرة أصبحت رقمية والابتكارات رغم كونها في الحاجة الماسّة إليها إلا أنها بدأت تخلق «بيئة لاحركية» توحي بانقراض طبائع البشر المعهودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد