يوشك هذا العقد من الزمن أن ينتهي، عقد بدأ بشتاء، وانتهى بوباء. أحكي عن تجربتي الشخصية مع هذا العقد الذي غير الكثير في هذا العالم، وكوني من أبناء منطقة من العالم كانت الأكثر «إثارة»، إن لم نقل الأقل حظًّا في هذا العقد، فقد رأيت مشاركتكم بهذه الكلمات.

ما إن تفكر في الحديث عما جرى منذ 10 سنوات، في بداية شتاء 2010- 2011 حتى يظهر ما يسمى بالربيع العربي مفتتحًا هذا الزمن المليء بالأحداث، لا شك أن من أطلقوا عليه ربيعًا ربما أرادوا أطلاق هذه التسمية من باب التفاؤل فقط، حيث كانت تعيش الشعوب العربية خريفًا دام أمده، كما أن ذروة «الربيع العربي» كانت في الواقع في عز الشتاء، وقد رأى من أطلق عليه هذا الاسم أن يستبق الزمن فقفز مباشرة للربيع، متجاوزًا الشتاء.

الحديث عن الربيع العربي يجلب مجموعتين من المتوجسين، أولاهما تعده كائنًا مقدسًا لا يجوز انتقاده أو الانتقاص منه، وهؤلاء هم الحالمون الذين خابت آمالهم التي ازدهرت حينها بإمكانية تحقيق آمال عامة وخاصة من الرفاهية والعدالة، وهؤلاء للحظة لم يستطيعوا استيعاب مآلاته، وسوف نجد في هذه المجموعة عددًا محدودًا ممن حققوا أهدافهم الخاصة فقط، ووصل البعض بفضل ذلك الربيع إلى القمة، كما يرونها على الأقل. هؤلاء يدافعون عنه دون هوادة لأسباب معروفة. أما غالبية هذه المجموعة فهم عامة الناس من البسطاء والساذجين الذين يرفضون أن ينتقلوا من شتاء 2011.

المجموعة الثانية من المتوجسين تحمل كرهًا لا مثيل له لذا الربيع. وهم يضمون جماعات ارتبطت بالسلطة التي أزاحها الربيع من الواجهة وهم قله، أو ممن تضرروا مباشرة من نتائجه وهم الأغلبية. أفراد هذه المجموعة يرون فيه الشر المستطير والكارثة التي حلت بالبلاد والعباد، هؤلاء مسكونون أيضًا بالماضي، ولكن ماضي ما قبل 2011، وهم أيضًا غير مستعدين لتجاوزه، ومع علمي بذلك سأمضي في حديثي مهما كان.

لقد وضع الحالمون من العرب آمالهم في سلة «الثورة» وشارك القليل منهم فعلًا وليس الأغلبية كما صورت لنا وسائل الاعلام، مليون أو اثنين أو حتى ثلاثة ملايين في بلدان سكانها تسعون مليونًا أو حتى خمسة وعشرون مليونًا، لكن «الثورة» كانت ولا شك تعبر عن آمال قطاعات كبيرة من الناس، أكثر بكثير ممن شاركوا. الحراك الذي حدث لم ينجب قيادات فاعلة وواعية، بل أعاد انتاج القيادات السابقة، وفي حالات أضيف إليها مجموعة ممن تقدموا الصفوف الأولى، لكنهم وللأسف لم يكونوا يمتلكون غير بعض من الشجاعة، ففشلوا في إدارة الفرصة، وسرعان ما فقدوا الثقة التي منحتهم الجماهير. رأيناهم يتسابقون لاقتسام الغنيمة بالاستحواذ على السلطة، وسرعان ما انحرف مسارهم فأصبحوا يتصرفون بالطريقة نفسها التي كانت الأنظمة تتصرف بها. لقد تجاهل هؤلاء أن الحراك وإن كان زلزالًا، فإن بعده هزات لم يكونوا مدركين أو جاهزين للتعامل معها.

القيادات الانتهازية الجديدة، فقدت قاعدتها في نظر الأغلبية، وسرعان ما ظهر عجزها عن التعامل مع الكم الهائل من التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. كانت أيضًا تفتقد للخبرة والأهلية التي تمكنها من إدارة بلدان تمر بأزمات. لكن الأخطر أنها اعتبرت نفسها الشرعية الجديدة التي لا مجال للتشكيك فيها، واعتبر انتقادها أو الاعتراض عليها جرمًا، وبذلك أصبحت بسرعة قياسية صورة من الأنظمة التي يفترض أنها جاءت لتحل محلها، بفسادها وعجزها، وعدم تقبلها لأي نقد، بل أكثر.

كان هدف ثورات الربيع العربي هو «إسقاط الأنظمة»، وقد كان. لكن في الواقع لم يكن المواطن العربي يحلم بذلك، بل إن ما كان يريده لا يختلف عما يريده أي إنسان في أي مكان في العالم، العيش الكريم في إطار منظم يضمن سلامته وحريته، ويمنحه الفرصة لبناء حياته وتحقيق طموحاته. كان عنوان «إسقاط النظام» تعبير عن حالة الاحتقان الناتجة من ضغوط اقتصادية واجتماعية، لكنه تحول لغاية بحد ذاتها، وعندما سقطت الأنظمة، لم يصبح لدى «الثورة» من هدف تسعى إليه، لذا فإنها سرعان ما «انهارت».

ليس هناك من نموذج يحتذى به، ولا من قصة نجاح. عقد من الزمن مر، عانت فيه الشعوب العربية الأمرين، وتقهقرت أحلام الجماهير إلى مستويات بدايات القرن العشرين، فكأن الزمن عاد قرنًا، بل قرونًا، وبدلًا من أن تزدهر الحياة تقهقرت، وحل الخوف والبؤس سريعًا، وأصبحت الجماهير ترى للزمن الذي مضى بصفته «عصرًا ذهبيًّا.

في بلد مثل اليمن انتقل حكم «الثورة» إلى جماعة أو جماعات تحكم بعقلية العصور الوسطى. تفتت النسيج الاجتماعي بطريقة مرعبة، وظهرت طبقات جديدة ممن استفاد من «الثورة» وانزلق الشعب نحو الفقر المدقع، أثرت جماعات الحروب والنزاعات، وسيطرت بالقوة على الثروة والسلطة، وانفرط العقد الاجتماعي الذي تكون على مدى عقود، لتسقط حباته متناثرة. لا يعرف اليمن في تاريخه مثل هذه الفترة الحالكة السواد، حيث تضاءلت الآمال ومات الرجاء أمام جبروت الظلم والطغيان والجهل.

الوضع لا يختلف إلا نسبيًّا في بقية بلدان «الربيع»، ففي سوريا وليبيا يستمر الصراع بضراوة ويموت الناس ويتشرد الملايين، وفي مصر لم يتغير الوضع كثيرًا فأصبحت قدرة الجماهير على مساءلة الدولة أقل مما كانت عليه بكثير. وحتى في تونس التي تمثل النموذج «الناجح» ما تزال التحديات أكبر مما يبدو أنها قادرة على التعامل معها.

إذن أصبح «الأمن والاستقرار»، الذي كانت الأنظمة العربية التي سقطت تستخدمه لتخويف الجماهير، هو بالفعل الهاجس الأول للشعوب. فهل كانت الأنظمة محقة؟ بعد أن عادت الشعوب لمربع ما قبل الصفر. من يعتبرون «الربيع العربي» إنجازًا ما زال حديثهم يتركز على المؤامرة، وكيف أنها أفشلت النجاح الذي تحقق بالفعل، هؤلاء يلقون باللائمة على الفئة المضادة للثورة متناسين أنهم يتحدثون عن «ثورة شعبية» فكيف يمكن أن تفشلها مؤامرة من مجموعة لا غير. حديث هؤلاء اليوم لا يزيد على إلقاء اللوم على الآخر والمؤامرات التي لا تنتهي. هؤلاء يقولون بأن «الخير قادم»، ولكنهم لا يمتلكون أدنى مقومات لهذا التفاؤل. هؤلاء يعيشون ماضيًا، ويسيرون نحو مستقبل بلا معالم.

أعداء «الربيع العربي» ممن يعتقدون أنه الشر المستطير الذي دمر كل شيء هم مسكونون بالماضي، يتمنون عودته، ويلقون باللائمة على «الثورة» لأنها أوصلت البلاد لهذا الوضع، متناسين أنهم أيضًا شاركوا في ذلك بشكل أو بآخر، ولا أقصد هنا النخبة، وإنما العامة أيضًا. آمال هؤلاء تبخرت وقدرتهم على الفعل لا تقل بؤسًا عن المجموعة الأولى، فهم يمضون نحو مستقبل مجهول.

ذكرى مرور عقد من الزمن على الربيع العربي هي ذكرى مهمة، فهي تأتي في ظل وضع تبخرت فيه آمال الشعوب العربية بالحياة الكريمة، وتراجع طموح المواطن العربي بشكل لم يسبق له مثيل. في هذا الزمن أصبح أقصى ما يستطيعه المواطن العربي هو الصمت والتمني واللجوء لعالم الغيبيات ليحل عقده. في ظل هذه الظروف المأساوية ما يزال البعض يحتفل بهذه الذكرى غير آبهين بشيء، في المقابل يعارض آخرون ذلك. الجدال قائم إذن، هل نحتفل بهذه الذكرى بوصف الربيع إنجازًا، أم نتذكره بوصفه نكبة؟ على أي وجه كان فإن هذا الجدال يعني أن الشعوب العربية ما تزال تعيش الماضي، وتذكر هذا التاريخ أو ذلك لا يخرج من الجدال حول ما «حدث» وليس ما يحدث الآن وما سيحدث في المستقبل.

في هذا الجزء من العالم، إلى متى نعيش الماضي، ونموت في الماضي، نتنفس الماضي ونأكل الماضي، ونشرب الماضي. إلى متى نظل ننظر خلفنا، وننسى يومنا وغدنا؟ إذا لم نستطع استخلاص العبر خلال عقد من الزمن لصنع مستقبلنا فنسنظل نسير في طريق مظلم، وسنثبت أننا فاشلون. ليس أمام شعوب هذه المنطقة إلا التطلع للمستقبل والعمل لأجله لتتمكن من العيش بكرامة وحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد