سألت صديقي المسيحي مرة وهو يحاورني عن قضية الإيمان بالسيد المسيح – عليه السلام – كونه إلهًا وابن إله عندهم.. وقلت له: يا أخي، من أين لكم بأدلة على قولكم هذا من كتبكم؟

فقال لي: الأدلة كثر!

فقلت له هلا أتيتني ببعضها لأرى النور وأخرج إليه، ولك مني وافر الشكر!

فقال لي: سأعرض عليك بعضها.

ولم يكن الهدف الجدال، وإنما هو محاولة الفهم السليم الذي يسعى إليه كل إنسان – سوي المنطق – يبحث عن الحق ويريد الصواب.

ناهيك عن أن هذا الاعتقاد يخالف صريح العقل، إلا أننا نجده يخالف صريح النقل – الذي يتخذونه حجة من كتبهم – على هذه العقيدة عندهم!

1- أول ما عرض عليّ صديقي من الأدلة: أن المسيح قال عن نفسه في الكتاب المقدس إنه «ابن الله».

فقلت له: ألم يُشر إليه بابن الإنسان أيضًا عندكم؟

فقال: نعم. فقلت له: إذًا لماذا تفسر الأولى على أنها بنوة حقيقية، ولا تفسر الثانية على نفس المنوال؟

فقال: لقد تمت الإشارة إليه على أنه ابن الإنسان باعتباره إنسانًا. فقلت: المسيح عليه السلام قال لتلاميذه: «أبانا الذي في السماء». فهل تلاميذه أبناء لله بالمعنى الذي تفهمون؟

أم أن البنوة هنا مجازية، بمعنى: أتباع تعاليم الله، كما يدل عليه ما جاء في رومية8/14؛ لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ؟

2- ثم قال لي: المسيح قال: وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. (متى 5/22).

وهذا يدل على أنه هو المُشرع؛ لأنه يُعطي الأحكام.

فقلت له: المسيح عليه السلام هنا يوضح الحكم ويُعطي نصائح، وقد قال قبلها: ل«اَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ».

واستمر يُعطي النصائح حتي قال في آخر الإصحاح: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ».

فهو يُبلغ عن الرب، ولم يقل: يكون مستوجبًا حكمي! إنما قال: « يكون مستوجبًا الحكم».

وقد قال المسيح – عليه السلام – مبينًا مهمته ووظيفته في الحياة: أنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. (يوحنا 5/30).

فهو رسول يُبلغ ويبيّن فقط، حتى وإن أصدر حكما فإنه من عند الله وليس من نفسه.

3- ثم أتى بآيات يقول إنها ذات دلالة على أن المسيح رب: لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.‏ 22 كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟‏ 23 فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْم. (متى 7/21).

قلت له: لقد قال السيد المسيح – عليه السلام – بعد هذا النص بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فلم يدّعي المسيح الربوبية! بل يُخبر بما يدعيه الجهلة ممن يدّعون اتباعه، ويُقرر أنهم آثمون لهذا القول ويتبرأ منهم, وفي هذا رد على من يصفه بما لا يستحق.. فهو كما قال المسيح آثم!

4- قال المسيح لأحدهم: «ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». (متى 9/2).

قال صديقي: إن في هذا دلالة على ألوهية المسيح، وهل يغفر الذنوب إلا الله؟

قلت له: المسيح عليه السلام قال هذا بعدما رأى إيمانه، فإيمانه هو من غفر له كــما هو الحال مع المرأة التي قال لها المسيح في متى 9/22: ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ.

فكل من يؤمن بالرسول ومن أرسله يُغفر له خطاياه؛ فهذا وعد الله لمن آمن وصدّق.

ثم إن شفاء المرأة من المعجزات التي أيده الله بها، والمسيح لا يستطيعها وحده كما قال: أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. (يوحنا 5/30).

5- قال صديقي: قال المسيح: تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. (متى 11/28).

فمن يضمن الراحة لكل إنسان إلا الله؟

قلت له: قال المسيح – عليه السلام – قبلها: كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. فالراحة تكون باتباع تعاليمه التي دفعت إليه من الله.

وقال المسيح أيضًا بعدها: اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ.

فالمسيح يُخبر بأن راحة النفوس هي لمن حمل هديه وتعاليمه؛ لأن في هذا الاتباع الراحة الكبرى.. كما كان كل رسل الله.

6-قال صديقي: ألم ترَ قول المسيح عن نفسه: فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا. (متى 12/8).

قلت: المسيح – عليه السلام – لم يقل إني الرب انما قال ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا. والرب تعني المعلم كما جاء في يوحنا38/1: فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَاذَا تَطْلُبَانِ؟ فَقَالاَ: رَبِّي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ. ولماذا خص السبت بالربوبية دون غيره إذا؟

7- قال صديقي: يقول المسيح لبطرس: وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. (متى 16/19). فهل يملك المفاتيح إلا الله؟

قلت: هذا لبطرس إن اتبع تعاليمه وبنى الكنيسة، وسبق أن بينا أن تعاليم المسيح تُدفع إليه من الرب.

8- قال صديقي: لقد جاء: فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: «لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ. (متى 21/19). أوليس هذا فعل خارق يدل على ألوهيته؟

قلت: قال المسيح – عليه السلام – بعدها: فَلَمَّا رَأَى التَّلاَمِيذُ ذلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ التِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ.

هذه هي نتيجة الإيمان الخالص لله المؤيِّد لعباده.

9- قال صديقي: المسيح يخبر أن له سلطانا في السموات والأرض، وهل يستطيع ذلك الا الله؟ : فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ. (متى 28/12).

قلت: هذا دليل على أنه رسول من عند الله، فهو قال: دُفِعَ إِليَّ. فـمن الذي دفع إليه؟

10- قال صديقي: المسيح كان يأتي بأشياء خارقة للعادة، لا يقدر عليها البشر. وهذا يدل على ألوهيته!

قلت: هذه هي المعجزات التي يؤيد الله عز وجل بها رسله، ولا بد أن تكون خارقة للعادة ليصدقه الناس فيما يخبر به عن الله.

وقد قال المسيح: أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. (يوحنا 5/30).

11- قال صديقي: قال المسيح: أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ. (يوحنا 10/30).

قلت: المسيح قال قبلها: إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.

فالمسيح والله واحد من حيث الغاية، وكذلك كان كل رسول. وجاء في يوحنا 17/21: لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.

فكلمة واحد استخدمت في الموضوعين.. فهل الجميع واحد كما هو فهمكم، أم أنهم واحد من حيث الهدف والغاية؟

12- قال صديقي: الكلمة تعني الإله. جاء في يوحنا: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ، وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا.

قلت: هل الله له بدء؟ إن كان كذلك عندكم فهو إلى زوال وإن طال أمده!

ثم إن البدء في الكتاب المقدس يعني بداية الخليقة فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. (تكوين 1/1).

ولو قلنا إن الكلمة تعني الله، لأصبح المعنى غير منطقي! حيثُ سيكون المعنى: وفي البدء كان الله، وكان الله عند الله، وكان الله الله!

وفي يوحنا 9/19، قال اليهود عن موسى: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللهُ. فالكلمة تعني رسول الله، وان كانت تعني إلهًا باليونانية فهي أيضًا تعني رسول بلغة الكتاب المقدس. ففي سفر الخروج 7/1: فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ.

فهل موسي إله؟

ولو كانت الكلمة بمعنى الله لكانت باطلة، لأنه قال بعدها: ثم الكلمة صارت جسدًا. وهذا يفيد التغيير، والرب لا يتغير كما في ملاخي 3/6.

13- قال صديقي: توما قال للمسيح: « ربي وإلهي».

قلت: بلغة الكتاب المقدس ربي تعني مُعلمي. وإلهي تعني رسولي.

جاء في الخروج 1/7: الله أرسل موسى كإله إلى فرعون. أي: رسول.

كما أن السياق يدل على أنها إشارة تعجب!

فمن نفى عن نفسه الصلاح حينما قالوا له: « أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلا وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ». (متى 19/17).

هل يعقل أن يتركهم يقولون له يا إله، بمعنى الرب الخالق؟

14- قال صديقي: إن المسيح مركب من ناسوت ولاهوت، وهذا يدل على أنه رب وإله.

قلت له: ما هو الناسوت وما هو اللاهوت عندكم؟ قال: الناسوت يعني الإنسان الكامل، واللاهوت يعني الله الكامل. قلت: وكيف هذا في شخصية المسيح؟ قال: هو لا ينفك من اللاهوت والناسوت معًا.

قلت: بما أن الناسوت واللاهوت لا ينفكان عندكم.. وبما أنه صُلب، فلا يوجد إله الآن إلزامًا لكلامك!

وكيف وأين كان اللاهوت قبل ان يأتي السيد المسيح إلى الحياة وهما لا ينفكان؟

وعند ولادته كيف نزل اللاهوت اللا محدود من الرحم المحدود؟

وأين قال المسيح في الكتاب المقدس بأنه ناسوت ولاهوت؟

تظل هذه التساؤلات بدون إجابة شافية يا صديقي!

يُتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المسيحي, حوار
عرض التعليقات
تحميل المزيد