في الحقيقة، لم يكن لدي النيّة في الكتابة عن جائحة كورونا لكثرة ما نُشر في هذا الموضوع. إلا أنني ارتأيت بتقديم قراءة ثانية في هذا الخصوص. سأحاول في هذه المقالة الإجابة عن السؤال التالي: لماذا نجحت بعض الدول في احتواء تفشي فيروس كورونا أكثر من غيرها من منظور الاقتصاد المؤسسي؟

في هذا الصدد، نرى أن بعض الدول كانت أفضل حالاً من غيرها في السيطرة على الجائحة. من الناحية الصحية، تمكنت دول مثل أيسلندا وتايوان وألمانيا وفنلندا والدنمارك ونيوزيلندا من أن تتصدر العالم بتقليل عدد الحالات والوفيات. وبالتالي، بمقدور هذه الدول الرجوع إلى حالتها الطبيعية وتعافي اقتصاداتها بوتيرة أسرع. يمكن تفسير نجاح هذه الدول في إدارة هذه الأزمة إلى ثلاثة أسباب:

السبب الأول: وجود حكومات رشيدة تتميز بمهارات قيادية عالية. من بين هذه المهارات هي التواصل مع الجمهور بشفافية وتقديم الحقائق دون مواربة. نرى ذلك واضحا عندما وقفت أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، في وقت مبكر وأخبرت مواطنيها بهدوء أن الوضع خطير ومن شأنه أن يصيب ما يصل إلى 70% من السكان.

السبب الثاني: بعد الحصول على الحقائق، قامت هذه الحكومات بصياغة استراتيجية وتنفيذها على الفور. الغرض من ذلك أنه كلما تمكنت الدول من تدارك الأزمات مبكرًا، فإن تكلفة الإصلاحات ستكون أقل بكثير مما لو تأخرت في ذلك. هذا ما فعلته زعيمة تايوان، تساي إنغ ون، في يناير عندما ظهر الفيروس هناك لأول مرة. أدخلت على الفور 124 إجراءً وقائيا منعت الفيروس من الانتشار، وكانت هذه الجهود فعالة جدًا لدرجة أن تايوان لم تكن بحاجة إلى إغلاق البلاد.

السبب الثالث: عملت هذه الحكومات على التواصل المباشر مع وسائل الاعلام والجمهور. الهدف من ذلك هو إيصال رسالة مفادها أنّ هذه الحكومات تدعم شعبها وتشاركهم مشاعرهم. مثال ذلك قيام رئيسة وزراء النرويج، إرنا سولبرغ، بعقد مؤتمر صحفي للأطفال في مارس. أظهرت سولبرغ التعاطف والرعاية من خلال الرد على أسئلة الأطفال النرويجيين وشرح سبب مخاوفهم.

ولكن قد يتساءل البعض، ألم تتبنى أغلب الدول هذه الأسباب السابقة في الاستجابة للجائحة؟ وإذا كانت بعض الدول الأخرى قد تبنت هذه الإجراءات بشكل أقل نسبيا، لماذا نرى هذا التباين الكبير في عدد الإصابات والوفيات؟

بإمكاننا الإجابة على هذين السؤالين عن طريق فهمنا لنظرية الاقتصاد المؤسسي المنسوبة للعالم دوجلاس نورث Douglass North الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1993. في كتابه عن نظرية الاقتصاد المؤسسي، يذكر نورث أن نجاعة الحكومات في تطبيق القوانين واللوائح الجديدة تعتمد على القيم الثقافية والوعي لدى أفراد المجتمع. بناء على هذه النظرية، يوضح نورث أن نجاح أي مشروع وطني يعتمد على تفاعل عاملين مهمين. الأول هو فاعلية المؤسسات الرسمية الحكومية، والثاني هو ثقافة الشعوب ووعيهم للاستجابة لهذه القوانين واللوائح الجديدة.

يمكن رؤية ذلك في حالة تطبيق قوانين السير في بلد معين. على الرغم من أن قوانين المرور متشابهة إلى حد كبير عبر البلدان، إلا أن فاعلية هذه القوانين تعتمد بشكل كبير على مدى قبول السائقين لهذه القواعد طواعية من خلال الالتزام الذاتي بقوانين المرور. ومن هنا نرى أنه إذا كانت ثقافة وسلوك المجتمع تتماشى مع القوانين الرسمية للبلاد، فستكون كلفة تطبيق هذه القوانين منخفضة نسبيًا حيث تكون انتهاكات قوانين المرور قليلة. بعبارة أخرى، يمكن للقيم الثقافية للمجتمع كالأمانة والعمل الجاد والنزاهة من تقليل تكلفة تطبيق القوانين الرسمية وبالتالي تزيد من إنتاجية المجتمع في تحقيق أهدافه. لذلك يعتبر تطور الدولة ونموها في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عملية معقدة نتيجة للتفاعل المستمر بين المؤسسات الحكومية والثقافية في المجتمع.

قياسا على المثال السابق، نرى أن العديد من الدول قد قامت بإجراءات حازمة في الحد من انتشار عدوى الفيروس كالحظر الجزئي وفرض الإجراءات الوقائية واغلاق المحلات التجارية ومنع التجمعات وغيرها. وبالرغم من جدلية أداء الحكومات في إدارة الأزمة، إلا أنّ عدم التوافق بين القيادة السياسية والمواطنين أدى إلى حصول ما لا يحمد عقباه من زيادة حالات الإصابة والوفيات. والنتيجة، زيادة تكلفة تطبيق هذه القوانين في بعض الدول عن طريق فرض الحظر الكلي مما أدى في النهاية إلى شل الحركة الاقتصادية في البلاد.

أثبتت هذه النظرية صحّتها في دراسة نشرت مؤخرا في المجلة الكندية للعلوم السياسية. خلُص الباحثون أن توافق كلًّا من النخب الكندية والجمهور العام بشأن إدارة الجائحة أدى إلى نتائج أفضل نسبيا في احتواء الأزمة على عكس الاستقطاب السياسي الموجود في أمريكا.

في هذا السياق، انتهجت السويد استراتيجية مختلفة عن باقي جيرانها الأوروبيين عند بداية تفشي الفيروس. تتمثل هذه الإجراءات بعدم فرض حالة الاغلاق في مدن البلاد حيث أنها راهنت على “وعي السكان” بتحمل المسؤولية والالتزام بالتباعد الاجتماعي. وعلى عكس ما كان متوقع، لم يلتزم السويديون بالإرشادات الصحية المفروضة حيث حذرت السلطات السويدية مؤخرا من اتخاذ إجراءات أكثر صرامة من أجل الوقاية من الفيروس.

وفي الختام، أرى أن المعضلة الحقيقية في نجاح الدول باحتواء الجائحة تتمثل في المفاضلة بين الوقاية من الفيروس أو إعادة الحياة الاقتصادية في أسرع وقت. تعتمد هذه المفاضلة على عدة عوامل من بينها مدى قدرة القيادة السياسية على تنظيم مواردها بالكفاءة المطلوبة من جهة وتناغم وتفاعل النخب والجمهور مع السياسات الإصلاحية من جهة أخرى للوصول إلى بر الأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد