في عالم اللامعقول يبدو العالم الموازي هو الملاذ الأخير للناس كي تعبر عن غضبها ويأسها أو أن تسمع العالم صرخاتها وآلامها أو على الأقل تسخر من وضعها المزرى وأفقها المسدود.

وبما أن واقع الأمة المصرية بات يشبه في نواح كثيرة نوعًا من الفانتزيا البائسة والكوميديا السوداء، كأن تسمع رئيس الدولة يفخر بأنه مكث 10 سنوات، ولا توجد في ثلاجة بيته إلا المياه، أو ترى طائرات جيش أكتوبر العظيم تقصف سيناء ومدرعاته تقتلع مزارع الاهالي والجنود يهتفون الله أكبر ومدافعهم تهيل البيوت على رؤوس إخوانهم في الدم والعقيدة.

وخذ على ذلك آلافًا من الأمثلة من التافه الصارخ في كوميديته إلى البائس الغارق في ماساَته ودمويته، لكن ما يجمعهم هو خيط رفيع واحد من العبثية واللامعقول، حتى أن صموئيل بيكيت وألبير كامو وغيرهم من رواد العبثية في العصر الحديث لو قدر لهم أن يبعثوا من قبورهم لاتخذوا مصر مسرحًا لفنهم وفلسفتهم ولجعلوا من السيسي رائدهم وقبلتهم.

لذا لا تعجب أن يندفع الشباب اليائس من الإصلاح في مصر إلى الاعتراض على الأوضاع المزرية في مصر وعلى انسداد الأفق السياسي عبر دروب من المعارضة تلائم ما نحن فيه.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هي ردود فعل الشباب على مهزلة ما يعرف بالانتخابات الرئاسية في مصر خاصة بعد القبض والتنكيل على كل المرشحين الجادين والأقوياء.

الذين كان يمكن أن يشكلوا طاقة نور في ظلام اليأس الذي تعيشه مصر.

مثالنا الأول هو الشاب النابه والإعلامى المتميز يوسف حسين الشهير بجو، والذي نظم حملة عبر برنامجه بقناة العربي لترشيح (كنكة) في مواجهة عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية، حيث أكد أن مميزات مرشح الضرورة هذا أنه لن يقبض عليه، ولن يخضع لضغط، ولن يمحو اسمه من كشوف المرشحين، ولن تضطهده اللجنة العليا للانتخابات أو تضع في طريقه العراقيل؛ لأنه ببساطة مجرد جماد.

طرافة الفكرة دفعت الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الالتفاف حولها ودعمها كوسيلة من وسائل التعبير اللامعقولة في الاعتراض على الوضع اللامعقول الذي نحياه.

تجربة أخرى مثيرة هي تجربة شاب أطلق على نفسه اسم البنهاوي (اسم مستعار) ودعا الشعب المصري إلى مساندته لكي يكون رئيسًا للجمهورية وفي خطاب الترشح أصر البنهاوي على التأكيد أنه ليس لديه برامج، ولا يحمل وعودًا داعيًا الناس إلى تجربة تأييده، ولأن الأمر هزل في موضع الجد، فإن البنهاوي عاش الدور وادعى أن هناك محاولات لاغتياله، وأنه مصر على الترشح، بل ادعى أنه حصل على توقيعات من مجلس النواب لتأييده في الانتخابات، ودعا الجيش للوقوف على الحياد، وبالرغم من أن الأمر في النهاية هو نوع من السخرية إلا أن خطابات البنهاوي وتعليقاته على الأحداث حملت رسائل سياسة في نبرة ساخرة ولاذعة جعلت له جمهورًا مؤيدًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

أخيرًا نأتي للمثال الاأير معنا اليوم، وهو الأكثر طرافة، وهو ترشح دمية مصرية شهيرة في مواجهة السيسي وهو (عم شكشك) حيث أعلنت صفحة على فيسبوك أن عم شكشك قرر أنه ينهي مأساة مصر بترشحه أمام السيسي معلنًا أنه سوف يلقى بيان ترشحه قريبًا، وأن حملته الانتخابية الدعائية قد بدأت.

وتحمل منتجات حملة عم شكشك رئيسًا للجمهورية شعارًا لاذعًا، وهو (طز فيه) في إشارة إلى عبد الفتاح السيسي، وهو نفس عنوان الأغنية الرسمية للحملة، والتي تم تركيب كلماتها من أغنية شهيرة للممثل المعروف محمد سعد من أحد أفلامه الشهيرة.

بينما يحمل فيديوآخر للحملة ديالوج في منتهى العبقرية والسخرية اللاذعة يدور بين عم شكشك ووالده حول ترشحه للرئاسة وخوفه من التنكيل به بعد ما حدث لجنينة وعنان وأبو الفتوح.

يبدو الهروب إلى عالم الخيال والفانتزيا، إذن هو البديل الوحيد أمام المعارضين في مصر للوقوف أمام تلك الآلة القمعية الدموية لنظام عبد الفتاح السيسي، والذى قرر أن يهد المعبد ويحرق روما، ويعصف بجميع مناوئيه قبل أن يفكر أي أحد أن يعارضه فضلًا على أن يكون بديلًا محتملًا لخلافته.

ولعل ذلك هو ما دعا المهندس ممدوح حمزة أحد أشهر السياسين في مصر إلى الإجابة بمنتهى السخرية على الحل للوضع المصري الآن بأنه قد أستأجر ثلاث سيدات (ولايا) على حد تعبيره للذهاب في المساجد والدعاء على السيسي ساعة عصرية.. ألم أقل لكم إن مصر أصبحت مسرحًا كبيرًا للعبثية واللامعقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!