تقدم نائب برلماني مصري بمشروع قانون لتنظيم الفتوى!

وبموجب هذا القانون يكون إصدار الفتاوى قاصرًا على هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ودار الإفتاء. وبموجب هذا المشروع سيكون الإفتاء في المسائل الشرعية محظور على أساتذة جامعة الأزهر، وعلى أئمة المساجد، وعلى كافة علماء المسلمين باستثناء هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ودار الإفتاء.

وإنني أحسب مشروعًا كهذا هو حرب على الإسلام، ومحاولة هدم هذا الدين، أو على الأقل هو محاولة تطويع الدين للحكام، ذلك أن الفتوى اجتهاد، والاجتهاد تجديد وبحث لمعاملات وعلاقات مستجدة لم تكن موجودة قبل ذلك ولم يتعرض لها سلفنا الصالح بالبحث.

فهناك علماء عظام في الفقه والشريعة من علماء الأزهر سيكون ممنوعًا عليهم الإفتاء، وسيكون أساتذة دار العلوم من علماء الفقه والشريعة أيضًا ممنوعين من الإفتاء، حتى لو كان لديهم من الإنتاج الفقهي أضعاف ما لدى بعض العلماء في هيئة كبار العلماء أو المفتي الرسمي، كما أن كثيرًا من الدعاة الذين لديهم جمهور عريض سيكون الإفتاء محظورًا، عليهم كأبي إسحاق الحويني ومصطفى العدوي ومحمد إسماعيل المقدم.

كما لم يتبين موقف العلماء من خارج مصر، هل سيحظر عليهم الإفتاء؟ أم ستحظر فتاواهم من دخول مصر.

ومن قدموا هذا المشروع وأمثالهم، هم من عابوا على الدولة العثمانية ما أشيع أنها أغلقت باب الاجتهاد، وهم بمشروعهم أوصدوا كل أبواب الاجتهاد، حتى أمام علماء الأزهر وأساتذة الشريعة فيه.

كما أن تعدد الفتوى واختلافها فيه توسعة على الأمة، وخاصة أن الفتوى ليست ثابتة، بل تتغير بتغير عوامل كثيرة: فالفتوى تتغير بتغير الزمان وبتغير المكان وبتغير العادات والأعراف. بل إن الفتوى تتغير بتغير شخص المستفتي، فقد تكون الفتوى للشاب مختلفة عن الفتوى للشيخ المسن.

وقد ورد فتوى منع الشاب الصائم من القبلة لزوجته والسماح بها للشيخ المسن: جاء في السنن عن أبي هريرة: أن رجلاً سأل النبي – صلى الله عليه وسلم- عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب.

وقد ورد عن ابن عباس أنه جاءه رجل فسأله هل للقاتل توبة؟ فأجابه: لا. ثم جاء رجل آخر فسأله هل للقاتل توبة؟ فأجابه نعم.

فتعجب الجالسون كيف أثبت أن للقاتل توبة لرجل ثم نفى أن للقاتل توبة لآخر؟ فأجابهم: أن الأول جاءه والغضب باد عليه، ويسأل عن توبة القاتل، فلما رأى ابن عباس -رضي الله عنه- الغضب في وجهه توقع أنه يريد أن يقتل ثم يتوب فقال له ليس له توبة. أما الآخر فكان على وجهه الندم فعرف ابن عباس أنه يريد التوبة؛ فأخبره أن باب التوبة مفتوح دائمًا.

والإمام الشافعي -رحمه الله- له مذهبان شهيران، وذلك أنه لما قدم إلى مصر غير الكثير مما قال به، حتى اشتهر بين الناس مذهب الشافعي القديم والجديد. والإمام أبو حنيفة النعمان خالفه تلاميذه في كثير مما قال وأفتى به.

حتى لو قالوا إن حظر الإفتاء سيكون قاصرًا على الإفتاء في الأمور العامة، فالأمور العامة قد يختلف النظر إليها من شخص لآخر، ومن زاوية لأخرى، وبالتالي فتعدد الفتاوى في الشأن العام يفتح دومًا أبواب الإبداع الفكري والنقاش، مما يعود أثره بالخير على الأمة.

إن من قدموا مثل هذا المشروع إنما يتزلفون الحكام وينافقونهم بمنع الفتوى إلا ممن يقف على أبوابهم من المشايخ، ومثل هؤلاء لن يفتوا إلا بما يحب الحاكم، وحتى لو كان في ذلك غضب لله تعالى.

وأحسب أن التصدي للفتاوى الخاطئة أو الضالة لا يكون إلا بالرجوع لأهل العلم لتفنيد مثل هذه الفتاوى ودحضها.

وإذا كانت الفكرة لا تحارب إلا بالفكرة، فإن الفتوى الخاطئة أو الشاذة لا يمكن وقفها إلا بفتوى صحيحة من أهل العلم. والمقصود بأهل العلم هم من يمتلكون مفاتيح العلم الشرعي وما يدعمه من العلوم الدنيوية. كما أن إنتاج الفتوى ليس عملاً تجاريًا يحتاج إلى ترخيص من الدولة، بل إن الفتوى عمل فكري إبداعي تظهر فيه ملكات وقدرات المفتي وشخصيته.

والمأساة ككل النظم الشمولية التسلطية، أنهم في مشروعهم لمنع الإفتاء وضعوا عقوبة الحبس لمدة ستة أشهر لمن يثبت أنه أصدر فتوى، سواء في وسائل الإعلام المختلفة، أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي. وبالطبع سيكون مثل هذا القانون سيفًا مسلطًا على كل صاحب فكر، فما أيسر أن توجه لأي صاحب رأي تهمة الإفتاء دون ترخيص ثم حبسه.

إنهم بهذا يحاولون تأميم الدين، وتحويل الشريعة إلى خادم يعطي شرعية دينية للطغاة. كما يوجهون رسالة للحكام بأن أحلامكم أوامر، وأننا سنمنع أي رأي يمكن أن يكون فيه شبهة إقلاق لمعاليكم.

ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فتوى على موقع إسلام ويب عما يجوز للزوجين في نهار رمضان
عرض التعليقات
تحميل المزيد