يتخرج الطالب من الكلية العملية بعد مشوار تعليمي شاق، وقد تحمل الأهل كامل المصروفات بالدراسة وحضور الكورسات وشراء الكتب، ففكرة أن يجمع طلاب الكلية العملية بعمل إلى جانب الدراسة أمر شديد الصعوبة والإرهاق، لذلك تولى الأهل، بالرغم من صعاب المعيشة، تلك المهمة على أمل أن يروا أبناءهم في الصفوف الأمامية، ليكونوا فخرًا لهم في المستقبل، فالمراقب لهم من بعيد يرى الأعين الطامحة إلى حلم البحث العلمي، واستكمال المسيرة التعليمية التي يريدون بها خدمة المجتمع، في مختلف المجالات العلمية، وتحقيق حلم الحصول على الماجستير ثم الدكتوراه.

فهم يبحثون عن التفرغ لعمل الأبحاث وقراءة المراجع من تجارب العلماء السابقة والسفر إلى الخارج، وتحقيق إنجاز واكتشاف جديد، ولكن احتياجات الإنسان بالطبع تحتاج إلى المال، وبالتالي يبحثون عن وظيفة مؤقتة على أمل أن يجدوا وقتًا ولو قليلًا للدراسة خلال تلك الوظيفة، ولكن عندما تصبح موظفًا فإن حلم التفرغ يتلاشى، ويحل محل ذلك الروتين اليومي، ومنه إلى الشهري، وتبدأ رحلتك مع ذلك الروتين الوظيفي حتى النهاية، والتي تحدد مستوى عقلك مع الوقت.

وبالرغم من أنك ستبقى متميزًا ومتفوقًا، ولكن في حدود، وتصبح صيدًا سهلًا لشباك المسؤولية من أجل الحصول على الراتب الشهرية، واذا استمر الأمر هكذا فإن زملائي الأعزاء سيتبدل حلمهم من الحصول على الدرجات العلمية إلى درجات وظيفية، ومن الشهادات العلمية إلى شهادات بنكية، ليكونوا ترسًا في ماكينة العمل، وستصبح النتيجة أنهم أمام أمرين، ليختار كل فرد فيهم أن يكون إما عالمًا وإما موظفًا.

تبدأ رحلة الوظيفة مع كل فرد على حسب ظروفه الاجتماعية، فالبداية مع التعساء منذ الطفولة، وأحيانًا أثناء الدراسة، وأخيرًا الأوفر حظًا بعد التخرج. والعمل في حد ذاته ليس المشكلة، ولكن نوع العمل ووقت البدء به، فمن الطبيعي عندما ندرس في الجامعة أو حتى المدارس الفنية والتجارة والزراعة، أن نعمل في مجال دراستنا أو قريبة من نفس المجال الدراسي لاستكمال حياتك بشكل طبيعي، فالجميع يتقدم إلى كل الشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وتبقى على الانتظار حتى تختارك إحدى الوظائف، ولكن للأسف عندما ننظر إلى الواقع ستجد أن مسألة الاختيار من الأساس ليست موجودة، فأنت لا تختار الكلية المناسبة لك، فكيف تريد أن تختار الوظيفة.

الدولة التي تريد أن تصبح في الصفوف الأمامية بين دول العالم، عليها أن تهتم بالشباب والعلم، وتقدم كل الدعم النفسي والمالي والإعلامي، وعليها أن تتأكد أن الحماس والنشاط الذي سيبثه هؤلاء سيكون أقوى من تلك الموارد الطبيعية مثل البترول والغاز. وخير مثال على ذلك هو دولة ألمانيا، فبعد الحرب العالمية الثانية، التي أعلنت فيها استسلامها في 8 مايو (أيار) 1945 وظلت مقسمة حتى 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، كانت البلاد مدمرة بشكل كامل، وليس لديها أي موارد طبيعية، فأيقنوا أن الشباب والعلم هم الأمل، وقدموا لهم كل الدعم – وما زالوا – من أجل أعادة ألمانيا مرة أخرى قوةً كبرى، وبالفعل نالوا ذلك.

والآن ألمانيا من أقوى دول العالم اقتصاديًا بالشباب والعلم الذي يبث النشاط والحماس للدولة باستمرار في جيل وراء جيل. حتى إن ولم تكن ألمانيا وحصلت على ذلك الدعم، فسترد تلك المساعدة برضا وفخر، لتجعل المانيا في الصفوف الأمامية، فألمانيا الآن هي أكبر اقتصاد في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد في العالم، كما تعد ألمانيا موطنًا لأهم الباحثين في المجالات العلمية؛ إذ تم منح جائزة نوبل إلى 108 من الألمان، وهي في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

ختامًا على الدولة الضعيفة أن تبحث عن زملائي الأعزاء لتقدم لهم المساعدة، وأن تعلم أن خير استثمار هو استثمار العقول، وأن تمنحهم ذلك الراتب الشهري الذي يقف عائقًا أمام الشباب أصحاب العقول الفذة، فالوطن يحتاجهم أكثر من احتياجهم لنا. أعتقد أننا إذا بحثنا عن هؤلاء وقدمنا لهم المساعدة فسيجعلون دولتنا من أقوى دول العالم، وأن نجعلهم مثالًا يحتذى به أمام أبنائنا، كي يحملوا الوطن عاليًا، فجباه العلماء دائمًا مرتفعة، وحتى تأتي تلك الأيام في دولة جديدة تهتم، أعتذر لكم زملائي الأعزاء عن ضياع حلمكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد