رأيت فيما يرى النائم أني في يوم استيقظت مثل كل يوم أتلمس هاتفي النقال لأرى الرسائل الواردة والبريد الإلكتروني، فإذا بها كثيرة وممتلئة على غير العادة، فتحتها كان بها كلام متقطع أشبه بطلاسم انهيار، ودولار، وبنوك، وول ستريت، كلها أتتني على هيئة كلمات كثيرة مبعثرة؛ متفرقة لم أستوعبها للوهلة الأولى ولم أربطها ولم أفهمها أو بالأحرى لم أرد أن أصدقها، ولكن عندما أمعنت النظر في الكلام أدركت المعاني، وأيقنت المغازي،وفهمت المرامي.

فاتجهت لمن كنت أتجاهله ولا أعير أخباره في الأغلب أي أهتمام وهو التلفاز، ولكن لا أعرف كيف اتجهت له هل كنت أبحث عن تكذيب أم تهوين؟، نعم وحتى إن كان كاذبًا ومنافيًا للحقيقة، ولكني حاليًا أحتاج من يخفف عني وطأة الصدمة؛ وهول الحقيقة التي أدركها داخلي ارتديت ملابسي على عجل واتجهت إلى المصرف وأنا في الطريق أدرت المذياع، ونفس الكلمات سمعت، وصلت إلى المصرف فإذا به مغلق وهناك لافتة تقول: البنك مغلق حتى إشعار آخر!

كلام لا يحتاج لقراءته سوى جزء من الثانية، ولكني أطلت النظر لدقائق مرت علي بها أشياء كثيرة كيف كان يحذر كبار خبراء الاقتصاد في العالم منه، وكيف كنت أتحدث إلى أصدقائي وإلى المقربين مني كل ما فتح الحديث ولا أحد يعير اهتمامًا، كيف كنت أقول لهم احذروا المدمن ولا تأمنوا شره ولا تتعاملوا معه من هو هذا المدمن؟ سوف نتطرق إليه بعد هذا المشهد المؤسف.                  

جموع بشرية تقف أمام المصارف يريدون أموالهم ومدخراتهم منظر يدعو للشفقة لتبدد آمالهم، وأحلامهم تمتلئ شاشات التلفاز بالمحللين الاقتصاديين ونشرات الأخبار انقلبت من سياسية إلى اقتصادية بالساعات الطويلة، وبين فينة وأخرى يوضع خبر إفلاس أحد المصارف الكبرى في العالم، ودولار في كل ساعة يفقد سعره أكثر، شركات تهوي بورصات تغلق، أحداث متسارعة لدرجة أنك لن تصدقها أو تستوعبها من كثرتها، كمية هائلة من الأخبار والتحليلات الاقتصادية، والإشاعات في برامج التواصل الاجتماعي تزيد الطين بلة.

بعد أيام قليلة من هذا الحال وكل دول العالم على هذا المنوال، مصارف مغلقة شركات مفلسة؛ خسائر مؤرقة تريليونات من الأموال تبخرت بين ليلة وضحاها، أخبار تأتي من كل دول العالم ومن الولايات المتحدة الأمريكية بالتحديد حالات سرقة وقتل في الشوارع، قانون الطوارئ، ولايات تضع قرارات بعدم دخول (غرباء) فلقد أصبح سكان الولايات الأخرى غرباء!

أدركنا متأخرين بأن الرأسمالية ماتت وذهبت لمثواها الأخير،الولايات المتحدة الأمريكية رأس الإمبريالية شرطي العالم، التي كان يهابها الكثيرين وترتعد في حضرة رئيسها فرائص المستبدين مطأطئين الرؤوس مستعبدين أصبحت أثرًا بعد عين، فصحونا من غفلتنا فاكتشفنا متأخرين مصيبتنا، وإنا ما نحن سوى مغفلين صدقنا هذا الشبح اللعين ربما كان هذا الحلم أو بالأحرى الكابوس إشارة لنا وتحذير بأنه يتوجب علينا ‫النزول من عربة الرأسمالية، حيث إن سائقها مدمن مخمور ويتجه بها بسرعة هائلة إلى الهاوية.

ولكن المعضلة الأساسية والفكرة المحورية هي أن الرأسمالية ارتبطت، بأخلاقيات؛ وأفكار؛وأطروحات يجب التخلص منها بادئ ذي بدء حتى نستطيع التخفيف من هذا الفكر، وهذا ما لم يحدث مثال المدمن الذي يحاول أن يخفف من إدمانه بتقليل الجرعة، ولكن الحل هو التوقف عن هذا الإدمان قليله قبل كثيره، وأنت بكامل إرادتك قبل أن تتوقف مجبر لعدم وجود المخدر، ولكن ما هو تصرف المدمن حيال إفتقاده مادة الإدمان، تخيل حالته وجنونه للبحث عن هذه المادة، حيث بإمكانه أن يفعل أي فعل شنيع؛ سافل؛ مشين ليحظى بمادة إدمانه هذا الحقير، يفتعل حروب ليبيع أسلحته كي يحظى بإدمانه؛ يغزو دولًا لنهب خيراتها ليحظى بإدمانه، يقرض الدول التي غزاها أو سبب فيها القلاقل والنزاعات ليسيطر على هذه الدول ويجعلهم عبيدًا تحت رحمته، ولي يرفع من شأن عملته، ويشغل شركاته بحجة إعادة إعمار ما دمره، كل هذا في سبيل أن يدفع عنه الانهيار، المدمن يعرف أنه في طريقه إلى الموت من أثر إدمانه، لكن لا يبالي في سبيل أن يعيش لحظات النشوة المزيفة، هو تمامًا كمن ينفخ في بالون لا يريد أن يفرغة من الهواء، في هذا الوضع سوف يصغر ويضمحل، ولكن يفضل أن ينفخ البالون أكثر وأكثر حتى يفقع هذا البالون من أثر النفخ، نستطيع أن نقول هروب ولكن إلى الأمام، وكما يقال أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، ولكن هجوم مستميت دون دفاع قوي عتيد لن يفيد.

الرأسمالية استدعت أن تشرك الأفراد فيها، وأن لا تكون مقتصرة فقط على المصانع والشركات والبنوك والدول، بل حتى الأفراد وإغراقهم في الكثير من الملذات، حتى يتسنى لها إخضاعهم لها، امتلك كل شي وفي الحقيقة أنت لا تملك شيئًا، بل تغرس في وحل من الديون الربوية الفاحشة، وبهذا لن تفتح فمك ولن تطالب بحقك فأنت كما الثمل من أثر هذا الربا تترنح يمنه ويسره لا تعرف ماذا تفعل ومن دين في دين ومن هم في هم.

دائمًا ما نردد ونقول لنفكر ما بعد النفط بل الأجدر أن نقول لنفكر بعد الدولار، كل الخبراء الاقتصاديين أجمعوا على انتهاء الرأسمالية،ولكن نقطة خلافهم الوحيدة  كيف لها إلى اليوم موجودة؟! هل هي الآن تعيش على أجهزة التنفس الاصطناعية؟ هل بعهد هذا المخبول ستطوى آخر فصول الإمبريالية، ويسدل ستار الرأسمالية؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات