لنقطع الطريق على من في قلوبهم مرض، والذين قد يتهموننا بالدعاية للدين أو الدفاع عن النفاق الاجتماعي في رمضان، ولنؤكد من هنا أننا فقط ارتأينا أن نعبر عن وجهة نظرنا، في نقاش مجتمعي شائك، تدخلت فيه الكثير من الأطراف، كما نود أن نقول أننا لا نحاول تمثيل أي أحد، فضلًا عن إعلاننا استياءنا من أولئك المرضى الذي بدأوا يلاحقون الحياة الشخصية لكاتب المقال. ذلك المقال الذي سنحاول تفنيد مضامينه، وإماطة الحجب، من منظورنا الشخصي، عن أشياء لا علاقة لها بعمق القضية المعالجة في تلك التدوينة «العفوية»، والتي أثارت حقًا نوعًا من الفوضى المجتمعية على مواقع التواصل الاجتماعي.

بدءًا ببدء، نجزمُ أن من الأقليات داخل مجتمعنا، من أخذوا جرعة زائدة من الحماس، ويظنون أنهم سيمارسون الوصاية على مجتمع بأكمله، ويضربون في معتقداته، ويتهجمون صريحًا على سلوكاته التعبدية خلال رمضان. من منطلقٍ حداثي محض، نحنُ هنا لا ندافع عن المصلي باعتباره مسلمًا، بل لأنه إنسان في آخر المطاف، وله الحق، كما لكاتب ذلك المقال الحق كذلك، في ممارسة شعائره الدينية، كما تَضْمنها الوثيقة الدستورية والمواثيق الدولية، وبالطريقة التي يشاء.

إن من يعتبرون أنفسهم حداثيون، ينطلقون من حقهم كأفراد اتكاءً على مبدأ الفردانية، وهذا ما يصبو إلى إيصاله ذلك المقال، ولكن هل كاتبه على دراية بأن الفردانية في عمقها تعني «دخل سوق راسك» وأن تهتم بشؤونك وألاَّ تُنصبَ نفسكَ قاضيًا على الأفراد أو حاكما على المجتمع؟ ألا يعلمون أن الفردانية تلزمهم هم كأفراد ولا تخول لهم أن ينظروا لذواتهم على أنهم وصاةٌ على مجتمعٍ بكل أطيافه المختلفة؟ طيب، أيجهلون أن المجتمع المغربي مجتمع مركب؟ فيكفَ يُنَظِّرونَ لهذا المجتمع المسكين بقيمٍ غربيةٍ بالأساس لن تناسب البلاد نهائيًا في ظل التناقضات المجتمعية القائمة؟ تساءلتُ كثيرًا بعد قراءة ذلك المقال، بيد أن ثمة سؤال وجيه، بالأحرى إنكاري: أولئك الأقليات، كيف يطالبون بحقوقهم ويتهجمون على حقوق الأغلبية الساحقة؟ لماذا يشهرون دومًا خطاب الدونية والمظلومية والانهزامية؟ نحنُ نرى أن علينا أن نتقبل الآخر وأن نحترمهُ، ثم حينئذٍ لنا الحقُّ في أن نطلب منه أن يحترمنا.

لا غرو إن قلنا أمام الملأ إِنَّ حرية الرأي والتعبير بدورها مكفولة، بيد أنها لا ينبغي أن تسيئ إلى حفنة بعينها داخل المجتمع، في محاولة لضرب التفرقة، وتفضيل ثلةٍ من أفراد المجتمع على أخرى. وشخصيًا، استغربنا قليلًا: كاتب المقال الذي يتحدث عن التذمر، ألا يمكن اعتبار مقاله كله تذمرًا من الطقوس التعبدية للمسلمين في رمضان؟ أليس ذلك ذريعة لخلق الحدث والضجة الفارغة؟ ذلك وارد.

إن التمادي بلغ ذروتهُ عندما تمت مناقشة الجانب الحميمي للمصلي، ومحاولة نصحه في العدول عن الصلاة في المسجد، فمن يعتقد نفسه كاتب المقال حتى يُنَظِّرَ للمسلم في دينه؟ أليس هذا استفزاز للشعور المجتمعي العام؟ ألم يأتي في المقال: «صلاتك تعنيك وحدك وتدخل في إطار علاقتك الفردية والشخصية مع الله». ولماذا يتدخل الكاتب إذن في هذه العلاقة إذا كانت تخص المصلي هو تحديدًا؟ أليس ضربًا من التناقض أن نقول ما لا نفعل؟ نحنُ قد نتفق على أن التراويح قد تشكل عرقلة للسير في كثير من الأحيان، لكن هذا لا يبرر التهجم على المصلين، ووصفهم بأقذع الأوصاف والسباب، لأن الأمر لا يعدو كونه ظرفية عابرة وستنقضي، والبعض من الأصوليين سيقول إن المسألة مقدسة تمامًا ولا ينبغي المس بها بتاتًا، بلى يجبُ أن تضرب بمطرقة النقد هي كذلك، ولكن بشكل عقلاني صرف وليس مزاجي، وليست فقط صلاة التراويح ما يعيق الطريق، فهل سيتجرأُ كاتب المقال على أن يقول نفس الشيء عندما تبدأ فعاليات مهرجان موازين؟ لو فعلَ لكان الأمرُ ذو مصداقيةٍ مهنية قليلًا. وإلا فسنعتبره رأيًا عفويًا لا أكثر.

في وجهة نظرنا، نعتقد أن ذلك المقال جاء يتمرغُ في العفوية والمزاجية والانطباعية أكثر منه في الواقعية والموضوعية، وقد رأينا جميعًا أنه قُدّمَ حافلًا بأحكام القيمة الأحادية الطرف، والتي تتخبط في الإطلاق والتعميم دون أدلة علمية أو واقعية دامغة أو حتى أسند قانونية. لأسبابه الشخصية النافرة من المجتمع، ينطلقُ كاتب المقال من فئة ضئيلة ولربما تكون سمينة مَنْ يَعْرِفْ، ليصف المصلين، بشكل ربما عام على ما يبدو من الصياغة، ب”عبادي الحريرة” واتهمتهم بالعجرفة والأنانية والزهو بالذات، والملاحظُ أن هذه الصفات سقطت بدورها في التعميم والمطلق، كما يمكن النظر إلى عدم اللجوء إلى ذوي الاختصاص في حد ذاته مثارٌ للشك في قيمة المقال المعرفية أو إضافته الابستمولوجية. إن إصدار الأحكام القطعيةِ جزافًا لأشدُّ الأشياء خطورة في التعبير عن الرأي.

في الأخير، لربما باستطاعتنا أن نجزم أن ذلك المقال يسيئ لأخلاقيات مهنة الصِّحافة، لأنه حتى لو كان مقال رأي بحتٍ، وحتمًا لكاتبه كامل الحق في التعبير عنه، فالمهنية تحتمُ حضور الموضوعية في العمل الصِّحافي، الأمر الذي لاحظنا جميعًا غيابه. فهل المنبر الذي نَشرَ المقال على وعي بالأخلاقيات التي تؤطر صاحبة الجلالة كونيًا أو محليًا! بحكم تتبعي لذلك المنبر أقول صراحة: لا أعتقد ذلك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد