بداية القول بسم الله. وزارة الخارجية، الأمم المتحدة، الهيئة الدولية للطاقة الذرية، العراق، صدام حسين، جائزة نوبل، وسام النيل، ثورة يناير، جبهة الإنقاذ، انقلاب 3 يوليو، مجزرة رابعة. تلك هي أهم محطات الدكتور محمد البرادعي من وجهة نظري. رجل صوره العديد من الناس كقامة علمية ودولية وفخر لمصر، ثم نعته بعض من كان يؤيده بالعميل، وفي نفس الوقت تم تصنيفه بالثائر البطل، والقائد المستنير، ووصلنا لمرحلة أن من كان يغني له وصفه لاحقًا بالهارب والخائن. هل البرادعي ظالم أم مظلوم؟

في البداية أحب أن أوضح أنني كاتب صاحب فكر حر. لست من محبي البرادعي، ولست من دعاة الليبرالية، ولست من صائدي الأخطاء. محمد البرادعي نشأ في أسرة ليبرالية، ثم عاش في أوروبا وأمريكا. يقتنع البرادعي أن النظام الليبرالي هو الأصلح لبناء المجتمعات المتحضرة، هو يقتنع بضرورة إبعاد الدين عن السياسة، ويكون الدين مكانه الوحيد في دور العبادة. تلك هي أفكاره الذي أعلن عنها مرارًا وتكرارًا، نتفق أو نختلف معه، تلك ليست المشكلة، بل عدم تقبل الغير هي المشكلة الحقيقية. محاولة فرض فكر معين على الجميع مشكلة كبرى.

حاول نظام مبارك استغلال البرادعي، كما حاول أيضًا استغلال نظام مبارك عن طريق التلميع وطرح نفسه على الشارع في وقت لم يكن للفيسبوك وجود. إعلام مبارك حاول استغلال نجاح البرادعي دوليًا للتطبيل للنظام، وارتضى البرادعي بذلك، ولم يعلن عن آرائه ضد النظام، لكن عندما وصل البرادعي لما يريده وأعلن عن آرائه السياسية المناهضة لنظام مبارك قام إعلام النظام بشيطنته واتهامه بأنه سبب احتلال الولايات المتحدة للعراق، وكأن بوش وصدام حسين وبلير لم يكن لهم وجود. كان هناك أيضًا علاقة بين البرادعي والإخوان: حينما عاد البرادعي للقاهرة في 2010، وحاول إنشاء الجمعية الوطنية للتغيير — من وجهة نظري – حاول الطرفان استغلال الآخر، الإخوان والبرادعي. الإخوان كانوا في حاجة لوجه يختبئون وراءه، والبرادعي كان في حاجة لجهة منظمة على أرض الواقع. لا أستطيع أن أعيب تلك المحاولة من الطرفين، في النهاية كانت الغاية هي صلاح الوطن، لكن ما حدث بعد ذلك من محاولات متبادلة للإطاحة بالطرف الآخر كان أمرًا مخزيًا، لكن لا أعلم كيف تمت الاتصالات بينهم في ذلك الوقت، وكيف كان الاتفاق.

بعد ثورة يناير (كانون الثاني) حاول الجميع استقطاب واستغلال البرادعي، وحاول البرادعي فعل نفس الشيء. الجميع حاول استغلال البرادعي وشعبيته مع فرض آرائهم. الإخوان بفكرهم الإسلامي، الاشتراكيون بفكرهم الاشتراكي، والليبراليون بفكرهم الليبرالي، حتى الفلول حاولوا استغلاله. أما هو فقد حاول بشتى الطرق التواجد داخل جهة منظمة ولها كيان إداري يستطيع من خلاله تنفيذ أفكاره الشخصية. عندما تأكد أنه لن يستطيع العمل مع الإخوان؛ حاول بكل قوته تحجيم الإخوان والقوى الإسلامية وإقصاءهم من الحياة السياسية. الغريب أن محمد البرادعي الليبرالي كان أول من طلب من الجيش التدخل ليكون قويًا فوق الدستور من أجل حماية مدنية الدولة. حقيقةً لا أفهم كيف تحمي القوى العسكرية الدولة المدنية!

اصبح البرادعي على رأس المعارضة للدكتور محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب بعد أول تجربة ديموقراطية حقيقية. كان هذا أمر صحي ومفيد لمصر، لكن مازلت لا أفهم لماذا بدأت تلك الاعتراضات بعد شهر واحد فقط من تولي مرسي رئاسة الجمهورية. أتفهم موقف البرادعي من الإخوان، ومن الدكتور مرسي؛ كونه مؤمنًا بالليبرالية، والإخوان يؤمنون بالفكر الإسلامي من وجهة نظرهم، لكن ما لا أفهمه أن يكون البرادعي سببًا من أسباب انقلاب الجيش على رئيس مدني جاء بانتخابات حرة نزيهة وقتل الديموقراطية والحرية في مصر حتى وإن كان قد خُدع.

كلمة أخيرة لكافة التيارات السياسية. لا يوجد مشكلة من العمل مع تيار سياسي لا تتفق معه حتى وإن كان هناك استغلال، لكن يجب أن نستوعب الجميع ونقبل باختيارات الاغلابية طالما في إطار ديموقراطي. يجب أن نصل جميعًا لصيغة نتعايش بها سويًا في وطن واحد. يجوز أن لا تحتوي تلك الصيغة على كل ما يريده كل فرد على حدة، لكن يكفي أن تحتوي تلك الصيغة على أسس مقبولة لدى الجميع لصالح مصر. يجب أن نتعلم كيف نتقبل الآخر حتى يتقبلنا الآخر.

كلمة أخيرة. البرادعي اجتهد، أصاب وأخطأ. حاول، ولكن لم ينجح. شأنه شأن جميع التيارات السياسية في مصر. الجميع أخطأ لكن بالتأكيد هو ليس عميلًا ولا أمنجيًا. هو علم منذ البداية احتياجه لمؤسسة يعمل عن طريقها، ولم يجد ذلك في حزب الدستور، ربما كان عليه الصبر أكثر من ذلك. ربما كان عليه أن يكون أكثر ليبرالية ولا يتعمد إقصاء أي فصيل سياسي. كان سببًا كبيرًا في ما وصلت إليه الأمور الآن، لذلك يجب عليه الاعتذار لأهالي شهداء رابعة، بل يجب عليه الاعتذار لمصر كلها مما بدر منه في حق الثورة ومشاركته في هدم الحياة الديموقراطية في مصر.

كلمة أخيرة لمحبي البرادعي. إذا أردتم أن يتقبل الجميع البرادعي، يجب إذن أن تتقبلوا حازم صلاح ومحمد مرسي وأبو الفتوح. يجب أن نتعلم أن الأيدولوجيات المختلفة تستطيع التعايش في وطن واحد. قبل أن نتجادل حول هوية الدولة علينا أن نقيم الدولة أولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد