قبل الغوص في هذين المفهومين العميقين، دعونا نتفق بقولنا إن هناك قاعدة ثابتة في هذه اللعبة، وهي أن الحظ والتوفيق موجودان دائمًا وأبدًا في مختلف جوانب حياتنا، وما يجب علينا معرفته أيضًا كأحفاد لسيدنا إبراهيم الخليل، عليه السلام، أن الأمور التي تحدث لنا في يومياتنا هي مقدرة من العلي القدير، لذا على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره ويرجع الأمر كله إليه، فيصبر على الضراء، ويشكر على السراء، هذه أهم قواعد اللعبة.

قبل هذا وذاك واجب علينا طرح السؤال الذي سيكون منه الانطلاق في هذه اللعبة، فما الحظ وما التوفيق؟ وهل يجوز لنا قول فلان محظوظ أو فلان حظه سيئ؟ وما معادلتهما في هذه الحياة؟

أما الحجر الأول في لعبتنا هو الحظ أو البخت كما يطلق عليه في المعاجم اللغوية فيقال فلان محظوظ أي ذي بخت، فالمقصود به المقدر أو النصيب، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في عدة مواقع، فمن حظ قارون الذي وصفه بالحظ العظيم حين قال تعالى: ﴿فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾ (سورة القصص الآية 79)، مرورًًا بالحظ المواريث فقال تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (سورة النساء الآية 11)، ختامًا بالحظ الآخرة فقال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ (سورة فصلت الآية 35 ).

بين حظ الدنيا والآخرة يبقى أن نقول إن البخت ينقسم إلى قسمين، قسم يتمثل في الثوابت وهو عند بعض الناس من الذكاء والتفوق والذي نطلق عليهم العلماء والنابغين على سبيل المثل، وهناك الحدس الذي نطلق عليه الحاسة السادسة الذي يستطيع الإنسان من خلالها أن يختار الطرق أو المواقف الصحيحة في الظروف الصعبة، مما يجعله يتدارك الكارثة قبل أن يقع فيها.

أما القسم الآخر فهو البخت الذي يتمثل في المتغيرات التي قد تكون نتيجته وليدة بيئته أو محيطه الذي يعيشه ذلك الإنسان، فكلما كانت جيدة فإنها تؤثر بشكل إيجابي في مصيره والعكس صحيح في هذه المعادلة، والمقصد هنا الإمكانات المادية والتي لها أثر كبير في مصير الإنسان.

ومن وجهتنا نرى أن جذب الحظ يكون بالاعتماد على النفس والإرادة والعزم، وكلها تكون بالعمل والصبر والإصرار والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن الوسائل المساعدة في لعبتنا والتي لها أثر في جذب الحظ كذلك، هو التسلح بالمعرفة والثقافة لأنهما من الوسائل التي يستطيع منها الإنسان أن يغتنم الفرصة، ويصنع بها الحظ الجيد، فالبخت لا يأتي من خلال الصدفة وحدها، ويقول الدكتور أرنولد دي ماير في كتابه «منطق الحظ»: «الحظ مجرد لعبة تخضع لما يتخذه الإنسان من قرارات، تحقق مصالحه وتجعله محظوظًا».

أما التوفيق فذُكر في قوله تعالى:﴿وما توفيقي إلا بالله﴾ (سورة هود الآية 88)، وكأن الله عز وجل يضع لنا معادلة واضحة وصريحة في هذه المسألة من عدمها من خلال هذه الآية، حيث سبحانه تعالى يعلمنا أن نجاحنا في أمر ما في هذه الحياة يكون بالتوفيق منه حتى لو كان العكس سنقول إن الله لم يوفقنا في ذلك.

ما يجب إدراكه أن التوفيق هو في حد ذاته هبة من الله، قد يمنحه لك وقد لا يكون ذلك، فالنية والإخلاص والصدق عمل ما إلى الله من العوامل الأساسية في هذه الهبة الربانية وقطعُ مهمة في هذه اللعبة، وما أجمل هذا الدعاء عند طلب التوفيق من الرحمن فنقول: «اللهم ارزقنا الإخلاص في النية والسداد والتوفيق في القول والعمل».

باختصار؛ الحظ والتوفيق يتلازمان ويسيران جنبًا إلى جنب وفي اتجاه متوازٍ، ويتناسبان طرديًّا مع من يبذل المجهود الكافي ويعمل بجد، بشرط النية والإخلاص والصدق، ومن زاوية أعمق وأكثر واقعية ومن منظوري الخاص في لعبتنا أن الإنسان بمختلف طبقاته وعاداته وعوائده ومعتقداته، باستطاعته أن يجعلهما طوع يمينه من خلال مجهوده في العمل مع النية الصادقة والطيبة والحسنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التوفيق, الحظ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد