إن هذا الجيل لا يقرأ! جملة باتت توضع في مصاف «الإكليشيهات» التي تنتشر في المجتمع الثقافي والفكري في مصر في العقود الأخيرة. كثيرًا ما يطل علينا أحد المثقفين أو المحللين لأوضاعنا السياسية والاجتماعية ليقول بيقين تام إن مشكلة هذا البلد أن الجيل الحالي لا يقرأ! وأصبحت تلك الفرضية حقيقة سلّم بها كثيرون والمدهش أن أكثر من يردد تلك الفرضية هم شباب هذا الجيل المتهم بأنه لا يقرأ.

أعتقد أن تلك الفرضية في حاجة إلى قليل من النظر والمراجعة حيث إنه طبقًا لإحصائيات دور النشر والتوزيع ولنأخذ على سبيل المثال دار الشروق التي تطبع ما لا يقل عن 5000 نسخة للطبعة الواحدة ومع ذلك ترى كتب بعض الكتاب الكبار تنفد في أيام كما جرى في عام 2010 حين نفدت خمس طبعات من رواية النبطي ليوسف زيدان خلال أقل من شهرين – الجمهورية المظلومة إيهاب عمر -. فهل من المعقول أن جيلًا لا يقرأ تكون تلك طريقة تعامله مع أعمال لكاتب شهير! إذن فلابد من إعادة النظر قليلًا في تلك الفرضية.

المشكلة ليست في أنه جيل لا يقرأ أو جيل يقرأ؛ الأمر لا يتعلق بمبدأ القراءة في ذاته فقليلة هي الأشياء التي نفعلها لذاتها فلا أعتقد أن الكثير من الناس يقرأ لمجرد القراءة إلا أنه دائمًا ما توجد غاية ما خلف فعل القراءة أيًا كانت تلك الغاية المهم أنها موجودة.

بالنظر إلى أحوال مجتمع القراءة والكتابة في مصر نجد انتشارًا كثيفًا لدور النشر والتوزيع والمكتبات في القاهرة والمحافظات بشكل واسع كمًّا وكيفًا، وترى في معرض القاهرة الدولي للكتاب إقبالًا مكثفًا من الشباب باعتبار أن الحديث عنهم الآن ومن ثم فالكثير من شباب هذا الجيل يقرأ حتى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الترفيه وكل ما يمكن أن يصبح من قريب أو من بعيد ملهاة عن القراءة أو التدوين. بالعكس تلك الوسائل شجعت الكثيرين على دخول عالم الكتب.

إذن ما الأزمة الآن؟ لماذا يصرح بعضهم بأنه جيل لا يقرأ؟ أعتقد أننا في هذا الجزء الشرقي من العالم نعاني من بعض الأمور في طريقة تناول الأول ومن ذلك هو دوام التعامل مع الأعداد أو الكم وإغفال النوع والكيف، بالإضافة إلى الظاهرة واسعة الانتشار المتمثلة في الفوضى المعرفية، ولكي لا يتشعب الموضوع فنحن نرى مبدئيًّا كما أسلفنا أن هذا الجيل يقرأ وبكثافة ولكن المشكلة هي ماذا يقرأ؟ ولمن يقرأ؟ ولماذا يقرأ؟

العلة وراء القراءة أهم من القراءة في ذاتها، وكيفية القراءة ولمن تقرأ أهم من عدد الكتب التي تقرؤها في العام الواحد. لذا من خلال المحيط الإنساني الخاص بي ومن خلال شبكة العلاقات الاجتماعية التي أتعامل معاها سواء في الحياه الواقعية أو الافتراضية ألاحظ كثافة إقبال الشباب على قراءة الروايات والأعمال الأدبية بأنواعها، بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة تفضل الروايات البوليسية والمكتوبة بلغة سهلة وسلسة وذلك مقارنة بقلة الإقبال على الكتب التي تناقش قضايا فكرية معينة سواء في السياسة أو الاجتماع أو الأديان أو الفكر بمجالاته. وهذا شق!

النقطة الأخرى التي يجب البحث وراءها هي العلة وراء القراءة، فتجربتي الذاتية تقول إنه يوجد نسبة كبيرة لا يستهان بها من الشباب تقبل على القراءة في ذاتها من أجل الظهور بمظهر ثقافي معين أو الانتماء لطبقة اجتماعية معينة. فالمتعارف عليه أن مَنْ يقرأ ينتمِ لفئة من المثقفين تعلو على غيرها. الشيء الآخر هو نوع المجال المقروء، فالبعض يقرر القراءة في مجال ما من أجل اللحاق بفئة فكرية أو ثقافية معينة، فمثلًا البعض يرى أن القراءة في كتب الفلسفة وتاريخ الأديان وما إلى ذلك تجعله يقترب أكثر من شريحة معينة شبابية ومن ثم يكون له نصيب من المظهر الثقافي اللاحق بتلك الشريحة.

وإذا لاحظنا في المسرح الفكري نجد شيئًا شبيهًا بما أسلفنا حيث إن بعض الشباب يقرر الانتماء لفئة فكرية معينة لأنه يظن أن هذا الفكر هو فكر الطبقة الراقية أو الأرستقراطية، فمثلًا يرى بعضهم أن الطبقات الراقية تتبنى فكرًا علمانيًا أو ليبراليًا لذلك فهو يقرأ بعض تلك الأفكار ومن ثم يعلن أنه علماني أو ليبرالي من أجل الانتماء لتلك الطبقة، وبالتالي فهو إذن من الطبقات الراقية ولا عزاء للفكر ذاته فهذا شيء ثانوي تمامًا.

ولكن كيف يقرأ الناس؟ هذا سؤال في غاية الأهمية، فقال أحدهم إنك إذا كنت تصدق كل ما تقرأ فلا تقرأ أفضل! فليس من المعقول أن كل كتاب تنهي قراءته هو مقدس أو مدنس. الأمور لا تسير بهذا التطرف في مجال مثل هذا خاصة إذا كنت تقرأ في العلوم الإنسانية.

ومن الملاحظ أيضًا أن هنالك مشكلة ضخمة تتعلق بعملية القراءة لدى المصريين إذ إن الملاحظ أن المصريين لا يقرؤون لكي يعرفوا الحقيقة ولكن يقرؤون لكي يعرفوا أنهم على حق، لذا لا عجب أن ترى أن أبناء التيار الإسلامي لا يقرؤون إلا لكاتب معين وأبناء كل تيار سياسي يفعلون نفس الشيء – «الجمهورية المظلومة إيهاب عمر»–.

تلك مشكلة كبرى يعاني منها كثير من القراء وتتعلق بضمير القارئ واتساقه مع ذاته، فهل القراءة في حياته هي وسيلة للمعرفة والبحث الدؤوب عن الحقيقة أم إن القراءة وسيلة للانتصار على الخصم وتدعيم الآراء السياسية والأيديولوجية التي تتبناها مسبقًا، أو هي هدف في ذاتها من أجل الظهور ضمن فئة معينة في المجتمع!

إذن يمكن أن أقول إن الجيل الحالي هو قارئ بامتياز ومقبل بكثافة على القراءة، ولكن تبقى الأزمة في علة القراءة وكيفيتها ولمن تقرأ وماذا تقرأ بالأساس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد