في كل مرة نتخيل فيها كُرات كبيرة جدًّا مِن الأفكار المُلَوَّنة، وغير الملونة، تصول وتجول داخل رؤوسنا الصغيرة، نكون مستعدين؛ إن صَحَّ التعبير مضطرِّين أحيانا لطلب المساعدة، الحماية، الدفاع، التحرر، الأمن النفسي والروحي، مِنَّا نحن، نعم؛ مِن العقل الصامت فينا، مِن أعلى هيئة فيه. غالبًا ما نخوض ونغوص في طرح المزيد مِن الأسئلة، إلاَّ أن الواقع يلجِم أحصنة أفكارنا المجنونة، بإصراره وإلحاحه على تقديم الحلول فقط. لهذا لا تُقللوا مِن حِدَّتِها، ولا مِن أهميتها. لا تُخَفِّضُوا أبدًا مِن مستوى الهدف، بل قُوموا دائمًا بزيادة الجهد، وسُوقوا العُلا جَهرًا إلى الأمام، حتى تستطيعوا النجاة مِن مصائد الأصدقاء المزَوَّرِين، ومكائد الأعداء الحقيقيِّين. فالأفكار، والعلوم، والمعارف، والحقائق والفلسفات الراقية، المفيدة والدافعة للأمام منابرهم قليلة، وحبر أقلامهم شفاف، وأصواتهم خافتة، وأوراقهم رهيفة.

إن امتلاك المعرفة الضرورية، يتطلب منا الرغبة الملحة، الالتزام والاتزان، وقوة الملاحظة، للاستفادة مِن جميع التجاريب النَّاجحة، جَنْبًا إلى جَنْب مع التوظيف اللاَّئق للمعارف النَّاجعة، لاَ سِيَّمَا إذا كانت كل هذه الأعمال، مُنجزة على المستوى المطلوب، وبالكيفية الدقيقة. لأنه ستُدار بها جُلُّ مراحل التَّعلُّم الهادفة، وسَتَتِمُّ مِن خلالها عمليات التَّغْيِير والتَّغيُّر، لِمُراكمة الخبرة اللَّازمة، مِن أجل التحكم السَّلِس في الخيوط الرفيعة للحكمة، وَلَوْ على مستوى مناطق اهتماماتنا الفكرية، للرفع مِن جاهِزِيَّة حَيِّز الفهم لدينا، خصوصًا عند الاهتمام الفعلي بمراحل عمليَّات التَّعلُّم الأولية.

بمعنى أدق؛ السؤال الأهم؛ هو كيف؟ وماذا؟ ولماذا؟ يجب علينا جميعًا أن نتعلَّم؟ لاَ سِيَّمَا وإن كنا نجهل تمامًا كيفيَّة فك شفرة هذه المعادلة الصعبة، في الحصول والوصول إلى منابع هذه العلوم وروافدها، مع العِلم أننا لا نعرف لَا مقدمات ولاَ حَيْثيَّات هذا الموضوع. إذًا يلزمنا السير بخطى ثابتة في طرق عديدة، ومسارات متنوعة، مع الحرص الدائم على تقبل الفشل، لِمعاودة المرور بسلسلة تعلُّم طويلة وعريضة جدًّا، مَمْزوجة ومصحوبة بالكثير من المراحل الأساسية المستمرة في الزمان والمكان. والتي بالمناسبة يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام أساسية:

أوَّلها/ الإقرار بإمكانية عدم وجود الكفاءة اللازمة في الجزء غير الواعي فينا؛ نعم إنها المرحلة الأولى التي لَسْنَا على علم بها، إنه في الأصل جهل تام بأشياء لم نكن لنفكر في وجودها مطلقًا مِن قبل، ولا حتى كنا سنستطيع الاعتراف أننا نعلم أننا لا نعرف. لتبسيط الفكرة أكثر، سنأخذ مثالا حَيًّا على ذلك؛ تقول خطوطه العريضة أننا عندما لا نعرف التَّحدث بِلُغة ما، لأننا لا نعرفها مِن قبل، ولا ولم نهتم لوجودها مِن الأساس، نظرا لأننا لم نكن بحاجة إلى التحدث بها. لكننا في الحقيقة، نعِيش ونُعايش أطوار ونتائج جهل تلك اللغة، دون وعي مِن أجلها مِن جهة، ومِن دون الحاجة المُلحَّة إلى تعلُّمها مِن جهة أخرى.

ثانيا/ تأتي عدم الكفاءة الواعية: إنها المرحلة الثانية من العملية، فسوف نلتقي فيها على سبيل المثال، بفرصة تَعْيِينِنَا في بلد يتم التحدث فيه بهذه اللغة، وبعد ذلك سنكون على علم بأننا لا نتحدث بها. هذا عندما يصبح العجز واضحًا، والعِلمُ ضاهرًا بأننا لا نعرف.

ثالثًا/ الكفاءة الواعية: تحدث عندما نبدأ في تعلم الإقرار بعدم الكفاءة، أي بمجرد الانتهاء من المعرفة، ففي حالة هذا المثال الذي قدمناه سابقًا، سوف نتعلم اللغة لكننا لم نستوعبها بالكامل بعد، لأننا ما زلنا نفكر بلغتنا الأم، ونحن نتحدث. أي علينا ترجمة كل كلمة نتحدث بها تقريبًا. هذه المرحلة تستأنف العمل بقاعدة أعلم أنني أعلم.

رابعًا/ الحصول على الكفاءة غير الواعية: إنها المرحلة التي يتم فيها التعلم الراسخ، بحيث يتم تنفيذ ما تم تعلُّمه تلقائيًا. لأن الذي قمنا بتطويره فعلا هو التفكير المنطقي في قواعد اللغة، وكيفية التحدث بها بشكل شبه طبيعي دون التفكير في صعوبتها، ولا حتى في اختلاف مخارج حروفها، وغرابتها. هذه المرحلة تضعنا وجهًا لوجه أمام قاعدة فكرية فلسفية تلخص في طيَّتها معاني عميقة: كأننا لا نعرف أننا نعرف. وهي تدخل كذلك كسابقتها ضمن منحنى باندورا. الذي حاول دمج جميع النماذج التعليمية السابقة كنموذج الإشراط الكلاسيكي، نموذج الإشراط الإجرائي، نموذج التعلم الاجتماعي، ونموذج التعلم المعرفي. بهدف تطوير نظرية تتصف بالشمولية وتشتمل على العوامل البيولوجية والبيئية والمعرفية، وتتمثل الخاصية الأساسية لهذا النموذج في إيضاح عملية التعلم من خلال الاعتماد على دور تعديل السلوك.

أعتقد أن السبب الحقيقي وراء إنشاء نظرية التعلم الاجتماعي عند باندورا، هو إعتقاده الراسخ بأن التعزيز المباشر لا يفسر كل أشكال التعلم، لذلك أضاف إلى نظريته العامل الاجتماعي. وللتدقيق أكثر في النظرية، وتفصيل قواعدها. نسجل أن التعزيز، العقاب، المحو، ضبط المثير، التميز والتعميم مبادئ أساسية. بمعنى أن التعلم الذي يحصل في سياق اجتماعي، حيث إن الفرد يتعلم من خلال التفاعل مع الآخرين، ومن خلال مشاهدة سلوكهم، وتوجهاتهم. أي بعد مراقبة هذا الأخير لسلوك الأخرين، وإدراكه لها يقوم بتقليده وتعلمه، خاصة إذا كان الشخص المراقب شخصية إيجابية. إذ تزيد نتائجه إذا حصل على مكافأة قيِّمة مقابل هذا السلوك، والعكس صحيح. أي في حالة حصوله على عقاب غير متوقع على هذا السلوك، فإنه يتعلم كيف يتفاداه نهائيًّا.

إذًا هي نظرية تفسر السلوك الإنساني على أنه تفاعل متبادل بين المنحى الإدراكي، والسلوكي، والبيئي: فمحتوى المنحى الإدراكي؛ يضم الأمور المعرفية والإدراكية، الخصائص البدنية، وكذلك المعتقدات والمواقف. أما محتويات المنحى السلوكي؛ فهو يحوي الاستجابات الحركية، الاستجابات اللفظية، التفاعلات الاجتماعية. وأخيرًا نلاحظ أن محتويات المنحى البيئي؛ يجمع بين المحيط المادي، أي بين العائلة والأصدقاء، وبين التأثيرات الاجتماعية الأخرى.

ومِن مفاهيمه الأساسية نجد أن الإنسان يمكنه التعلم من خلال مراقبة ومشاهدة تصرفات الغير. بمعنى أدق أن مِن مبادئه النَّمْدَجَة والمُراقبة، بالطبع الحالة الذهنية للمتعلم مهمة وأساسية في التحصيل. كما أن التعلم لا يؤدي بالضرورة لتغيير في السلوك. فهو بعكس النظريات السلوكية التي ترى أن التعلم يعطي نتيجة سلوكية، لأن التعلم الاجتماعي لا يرى أن التعلم بالضرورة سينعكس في السلوك. لكنه يمكن أن يحصل في أي مرحلة عمرية، فنحن نتعلم طوال حياتنا شِئْنا أم أبَيْنا.

الآن؛ نصل إلى مرحلة المنافسة الواعية؛ وهي أكثر أهمية في عملية التعلم في حد ذاته، إذ يتعين علينا تدوين الملاحظات لزيادة جهد للتعلم، ولتوحيد ما تَمَّ تعلمه. في هذا التوقيت بالذات يمكن أن تنتج أزمة التغيير. أي متى ستتم مواجهة الجهد المبذول في التعلم، الكثير من الناس يختارون الإقلاع عن التدخين مثلا، لدرجة التخلي، لكن دمج التجربة، البدء بالتعلم، أخد البيانات، سيؤدي إلى الفشل، التخلي عن التعلم، ورفضه.

فكما هو الحال في جميع عمليات التعلم، فإن أول شيء يتعين علينا القيام به عندما نريد حقًّا ذلك، هو معرفة كل جزء من أجزائه والتعرف عليه بدقة. وكذاك كل ما تم الكشف عنه حتى الآن. أي، الوكلاء وقواعد العقل، التي تعتبر الإطار الذي تحيط خيوطه الرفيعة بالكامل بنموذج البرمجة اللغوية العصبية المتقدم، بمعنى؛ أن كل ما يتكون منه يبقى ضمن تلك الأساليب. وكما تقول الفرضية الأولى أنه من المستحيل عدم التواصل، فإن ما سنقوم به سينصب التركيز فيه على دراسة كيفية حدوث الاتصال، وكذلك العوامل المشاركة فيه وكيفية جعل الاتصال فعالاً، وذلك للقدرة على تحقيق النتيجة المتوقعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد