ما لا تعرفه عن مؤامرة أشعلت حرب الخمسين مليون قتيل

«في السياسة لا يحدث شيء عن طريق الصدفة، إذا حدث شيء ما يمكنك أن تراهن أنه تم التخطيط له» فرانكلين روزفلت – رئيس الولايات المتحدة الأمريكية 1945 – 1933

بيرل هاربر.. العملية (X)

تعد حادثة بيرل هاربر الشهيرة هي السبب الرئيسي لإشعال فتيل الحرب العالمية الثانية باعتبارها بوابة الولايات المتحدة الأمريكية لدخول الحرب العالمية الثانية مع دول الحلفاء بعدما كانت مساهمة الولايات الأمريكية مقتصرة فقط على الدعم اللوجسيتي من الأسلحة والدواء وخلافه من المؤن. ومع دخول الولايات المتحدة الحرب تغير مجرى التاريخ إذ راح ضحية تلك الحرب الدامية ما يكثر عن الخمسين مليونَ قتيل بتصنيف تلك الحرب كأكثر الحروب دمويةً في التاريخ البشري.

الرئيس وشعبه

كان معظم الشعب الأمريكي (نسبة تزيد عن 80%) رافضًا تمامًا فكرة دخول الولايات المتحدة إلى الحرب خاصةً بعد ما شهدوا الدمار الذي حل بالبلاد في الحرب العالمية الأولى، على الجانب الآخر كان الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت من الداعين وبشدة لوجوب دخول الولايات المتحدة الحرب وذلك لوقف ناقوس الخطر الذي كان يدقه هتلر وأعوانه ووقف الزحف النازي على مستعمرات أوروبا وأيضًا في ظل تقارب الإمبراطورية اليابانية من بسط نفوذها على شرق سآيا إلا أن الشعب الأمريكي وقف له بالمرصاد.

الخلفية التاريخية ما بين الحقيقة والزيف

في صباح يوم الأحد السابع من ديسمبر (كانون الأول) عام 1941 كانت الطائرات اليابانية تحلق في سماء ميناء بيرل لتنفيذ الضربة العسكرية الأولى وهي الرئيسية والتي استهدفت أهم القوى الأساسية في الميناء الأمريكي من البوارج والسفن والمدمرات وخلافه، كان الهجوم الأول مكونًا من 183 طائرة حربية قامت بإلقاء أطنان من القنابل اليابانية مما أدى إلى دمار القوى الأساسية للميناء كالبارجة (أريزونا) والتي توفي مما يقارب 1100 فرد من طاقمها وكذلك البارجة (كاليفورنيا) و(ويست فرجينيا) تم تدميرهم بالكامل، فيما تعرضت المدمرات الأمريكية بكاملها إلى أضرار جسيمة.

بالرغم من أن الهجوم الياباني على الميناء لم يدم سوى تسعين دقيقة إلا أنه أسفر عن مقتل 2386 جنديًا أمريكيًا فقط من بينهم 55 مدنيًا نتيجة للقنابل الأمريكية المضادة للطائرات التي لم تنفجر وسقطت في أماكن يسكنها مدنيون في حين تجاوز عدد الجرحى 1139، وفقد الأسطول الأمريكي 5 بوارج وأغرقت مدمرتين وسفينة بث ألغام فضلًا عن تدمير 188 طائرة وإصابة 159 أخرى بإصابات جسيمة، على الجانب الآخر فقد كانت خسائر اليابانيين أقل ما يمكن فقد خسر الهجوم الياباني 29 طائرة من أصل 408 ولقي 55 طيارًا يابانيًا و 9 بحارة حتفهم.

ما وراء الستار

كان دائمًا السؤال الذي يلح على الشعب الأمريكي هو كيف أن يتم حدوث مثل هذا على قاعدة عسكرية تابعة لجيش أمريكا العظيم دون أخد الإجراءات والاحتياطات اللازمة للتصدي؟

وبالفعل وعلى الفور عين الرئيس الأمريكي روزفلت لجنة للإجابة عن هذا السؤال كانت تعرف بلجنة روبرتس نسبةً إلى عضو المحكمة العليا أوين روبرتس.

استنتجت اللجنة أن قائد أسطول المحيط الهادي في هاواي الجنرال هازباند إي كيمل والجنرال والتر س.شوت قائد الجيش في هاواي فشلا في اتخاذ إجراءات دفاعية كافية أدت إلى موت آلالاف الأمريكيين وإصابة كثيرين بإصابات بالغة، كما تصدرت كلمات «إهمال الواجب» الصحف الأمريكية في ذاك الوقت كما أن بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي رأوا أنه يجب إعدام هؤلاء القادة.

اعترض كل من كيمل وشورت على تلك الادعاءات الصادرة من قبل لجنة روبرتس حيث أنه تم الاستماع إلى الشهادات دون تدوينها مع رفض اللجنة لهم بسؤال الشهود أو استخدام زملائهم الضباط للشهادة، كما حذف تقرير اللجنة بعض النقاط والشهادات الهامة لصالح القائدين.

«كنا بحاجة إلى شيء واحد فقط، شيء لم تستطع كل المصادر تأمينه لنا، كنا بحاجة الى المعلومات التي عند المسؤولين في واشنطن، تلك المعلومات التي حُجبت عنا والتي كانت تحدد موعد الضربة اليابانية، إن انطباعي وانطباع القوات البحرية الأمريكية أنه لو تم إرسال تلك المعلومات لنا لتفادينا الضربة اليابانية التي حدثت 7 ديسمبر (كانون الأول) 1941». *الجنرال هازباند كيمل، قائد أسطول المحيط الهادي 1941

في أغسطس (آب) عام 1944 أعيدت المحاكمة بأمر من الكونجرس الأمريكي، قدم محامو كل من كيمل وشورت أدلة تُثبت معرفة الحكومة الأمريكية الكاملة للهجوم الياباني على القاعدة العسكرية بيرل هاربر ولكن الحكومة الأمريكية تعمدت حجب تلك المعلومات عن القادة العسكريين في الميناء. وبالفعل تبرأ القادة من التهم المنسوبة إليهم وتم إلقاء اللوم على المسؤولين في واشنطن وهو ذاك الذي لخصه تقرير مجلس قيادة بيرل هاربر أن واشنطن كانت لديها المعلومات الكاملة للهجوم ولكنها تعمدت حجبها عنا.

«حتى صباح ديسمبر (كانون الأول) 1941 كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعلم كل ما كان اليابانيون ينوون فعله». السطور الأخيرة في تقرير مجلس قيادة قوات بيرل هاربر

وبالطبع أخفت الحكومة الأمريكية كل تلك التفاصيل عن الشعب الأمريكي بما فيها نتيجة تحقيق لجنة روبرتس للقادة العسكريين في بيرل هاربر واعتبرها سرية بأوامر صدرت من الرئيس روزفلت.

ولكن كيف علمت الولايات المتحدة الأمريكية بالهجوم على بيرل هاربر؟

1- عن طريق الرسائل الدبلوماسية المشفرة

استخدم اليابانيون شفرة سموها (الأرجوانية) ظنوا أنها مُحالة الفك لشدة تعقيدها للتواصل مع سفاراتهم الرئيسية ولكن خبراء فك الشفرة في الولايات المتحدة تمكنوا عام 1940 من قراءة تلك الشفرات اليابانية وترجمة كافة الرسائل الدبلوماسية لليابانيين. وصرح جون تولاند في كتابه «العار» 1982 أن كل الرسائل التي تم فك شفرتها سُلمت نسخ منها إلى الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس الأركان الجنرال جورج مارشال وأيضًا وزير الخارجية كورديل هل.

2- الأدميرال إيسوروكو ياماموتو

أثبت روبرتس تينت -في كتابه يوم الخديعة: حقيقة فرانكلين روزفلت وبيرل هاربر بالوثائق التي حصل عليها بموجب قانون حرية المعلومات أن واشنطن لم تستطع فك الشفرات الدبلوماسية اليابانية فحسب بل استطاعت أيضًا فك شفرات البحرية اليابانية ولعل أكثر هذه الرسائل أهمية كانت رسالة الأدميرال ياماماتو إلى أسطول حاملات الطائرات الأول في 26 نوفمبر 1941 أي قبل الهجوم بعدة أيام والتي تنص على:

«إن واجب القوات هو المحافظة على السرية الكاملة لتحركاتها، والانتباه الشديد من الغواصات، ستقوم حاملات الطائرات إلى مياه هاواي حيث ستقوم عند أول محاولة عدائية بمهاجمة القوات الأمريكية الموجودة في الميناء، من المخطط أن تتم الغارة الأولى في التاريخ الذي يحدد لاحقًا في اليوم». أدميرال إيسوروكو ياماموتو – قائد أسطول الهجوم الياباني على بيرل هاربر

3- إليوث ثورب

اللواء الجنرال إليوث ثورب كان المراقب العسكري الأمريكي في جاوة (إندونيسيا) والتي كانت وقتها تحت السيطرة الهولندية، في بداية ديسمبر 1941 فك الجيش الهولندي شفرة رسالة سرية يابانية تُخبر بالهجوم على القاعدة الأمريكية في بيل هاربر. مرر الهولنديون تلك المعلومة إلى ثورب الذي بالفعل قام بإرسال 4 تحذيرات إلى واشنطن ولكنه تلقى أوامر من وزارة الدفاع الأمريكية بعدم إرسال أي تحذيرات إضافية فيما يتعلق بميناء بيرل.

4- دوسكا بوبوف

كان دوسكا بوبوف عميلًا مزدوجًا ولكن ولاؤه الحقيقي لدول الحلفاء، من خلال تواصله الدائم مع الألمان أدرك أن اليابانيين يخططون لقصف ميناء بيرل هاربر وأبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي عدة مرات بذلك وأقر رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك ج. إيدغر هوفر أنه بالفعل مرر تلك المعلومة إلى الرئيس روزفلت.

5- أقر السيناتور غيد غيلت وعضو الكونغرس الأمريكي عن ولاية تكساس مارتن دايز بأنهما تلقيا معلومات مسبقة تتعلق بالهجوم على بيرل هابر وأن الرئيس الأمريكي روزفلت أخبرهما أن يتركا الموضوع بين يديه.

كل تلك الحقائق السابقة ترجح وبشدة نظرية المؤامرة التي قادها روزفلت لإجبار الولايات المتحدة الأمريكية لدخول الحرب العالمية الثانية بداعي الرد على الهجوم الياباني ورد الاعتبار الأمريكي ووقف روزفلت صباح اليوم التالي للهجوم واصفًا أن السابع من ديسمبر عام 1941 هو اليوم الذي سيظل عارًا على الولايات المتحدة إلى الأبد بعدها أعلن دخول الحرب.

«وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ» الأنعام 59.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد