يولد الإنسان بفطرة بيضاء سليمة، فطرة لا تعرف شيئًا عن هذا العالم، لا تعرف كذبًا ولا تلفيقًا للأمور، لهذا نرى الأطفال دائمًا ما يكونون على سجيتهم، يتصرفون ببراءة، هكذا يُخلَق الإنسان، بريء، لا حول له ولا قوة، فكما قال الرسول ﷺ: ‏‏«‏كُلّ موْلودٍ يُولَدُ على الفِطرَة فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجسّانه»‏‏‏. إذًا ما التَغَيُر الذي يطرأ على الإنسان ليقوده إلى طريق القتل؟ ولماذا يَقتل الإنسان أخيه الإنسان؟

نولد في مجتمعات تفرض علينا أفكارًا عدّة غالبيتها موروثة من الزمن القديم، أفكار لا أساس لها من الصحة سِوَى أنّ هنالك أجيالاً ينشَؤُون عليها، يتَّبيعون ما لا يعِقلون، ومن أكثر الأفكار التي طَغت على البشرية وتَخللت بين جذور مجتمعاتها هي العنصرية التي يسعى البعض لزرعها بين الناس لأهداف خفية ومبتغى خبيث، فإن كان هنالك مجتمع متكامل الجوانب، يعيش أفراده بتوافق واحترام للتنوع الذي يسود فيه، تنشأ جماعات تسعى لزعزعة هذا التوافق وتدمير أساسات المجتمع، ولأن العنصرية تنشأ من رحم الغضب، فيتم اللعب على وتر العاطفة وكل ما يثير المشاعر الإنسانية لتقوم للدنيا قيامة ولا تهدأ إلا بعد ما يسمى بالتطهير العرقي الذي لا ينجو من براثنه أحد.

من أشهر الحروب التي مرّت عبر التاريخ والتي كانت من أوائل الحالات التي ساهمت بإنشاء مصطلح التطهير العرقي هي حرب «البوسنة والهرسك» التي لعبت التفرقة فيها دورًا كبيرًا في إزهاق أرواح الملايين من الأبرياء.

فتيل الحرب

بدأت القصة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما شملت يوغسلافيا دولًا عدّة؛ (سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، صربيا، الجبل الأسود، جمهورية مقدونيا)، كانت الجمهورية اليوغسلافيّة قديمًا تحتوي على عدد كبير من السكان الذين ينتمون لعرقيات مختلفة؛ فكانت تضم المسلمين والمسيحيين والصرب جنبًا إلى جنب وعلى أرضٍ واحدة، عاش سكان تلك الدول بتعايش كبير إلى درجة أن الشخص في ذلك الوقت لم يكن يعرّف نفسه على أنه صربي أو كرواتي بل كان يعرّف عن هويته على أنه يوغسلافي، لم تنتشر أي نوع من العنصرية أو التفرقة العرقية حتى عام 1992، عندما طالب سكّان البوسنة والهرسك المسلمين الانفصال عن الجمهورية اليوغسلافيّة ليصبح لهم دولة مستقلة عن هذه الدول، فأُشعِل فتيل الحرب لمدة ثلاث سنوات لم يتوقف خلالها نزيف الدم.

رادوفان كراديتش

لم يُعجَب الصرب بمطالب المسلميين في الانفصال، وكما هو متعارف، في ظل ظروف سوداوية كهذه هناك من يستغل الضعف السائد ليقلب الأدوار لصالحه، ومن أشهر هؤلاء المستغلين الطبيب النفسي ورئيس جمهورية صرب البوسنة «رادوفان كراديتش» الذي كان يسعى لدولة صربية خالية من المسلميين ومن أي عِرق آخر، وعلى ما يبدو أن الطبيب النفسيّ كان بحاجة لمن يعالجه نفسيًا وعقليًا، لأن أفكاره المقيتة أودت بحياة الملايين لأنهم فقط ينتمون لدينٍ آخر ولأنه يسعى أن تحمل دولته عِرقًا وأصلًا واحدًا، فأمر بأن تدخل القوات الصربية على المدنيين العُزّل وتقتل كل ما يمرّ في طريقها من شيوخ ونساء وأطفال.

الكفاح المسلّح ومجازر التطهير العرقي

عندما شاهد سكّان البوسنة والهرسك ما يجري على أرضهم، والتصفية العرقية التي تمت لأبناء جلدتهم، قرر المدنيون حمل السلاح والدفاع عن ما بقي لهم من لحمٍ ودم.

لم يميز الجيش الصربي بين أعزل ومسلّح، فقد صدرت أوامر «رادوفان كراديتش» بإبادة الأخضر واليابس، وإسقاط كل ما يقف أمام بنادقهم، فتم استهداف الشيوخ والأطفال والنساء العُزّل الذين لا ذنب لهم إلاّ أنهم ينتمون لدينٍ غير الذي يرغبه رادوفان في مديتنه. لم تتوقف مجازر الطبيب النفسي عند هذا الحد، بل وصل به الحد إلى حصار مدينة سراييفو لمدة لا تقل عن 1460 يومًا تم خلالها إطلاق 480 ألف قذيفة على المدينة، ليصل عدد الجثث إلى 11 ألف و541 شخصًا، غالبيتهم من الأطفال، دمّرت منازلهم وانخفض عدد السكان بشكل كبير.

نهاية المأساة

شاهد المجتمع الدولي هذه المجازر ولم تُسمَع صرخات الملايين إلا في نهاية مأساة التطهير العِرقي وبعد أن صُفيّ المسلمون. أخيرًا وبعد الكثير من المناشَدات قرر حلف شمال الأطلسي أن يتدخل ويلقي بغارات على الصرب لإجبارهم على الخنوع وإيقاف المجزرة وبهذا تحقق المُبتَغى، توقف الصرب وأعلن عن نهاية الحرب عام 1996 لتحصل البوسنة والهرسك على استقلالها التي فقدت من أجله الملايين.

ما هذه القصة إلا لمحة من ملامح التطهير العِرقي التي تمت على المدنيين من العالم أجمع، وتبقى العنصرية من أسوأ الحالات التي مرّت على البشرية، التي يستغلها أصحاب المصالح لتحقيق مصالحهم ويمارسها أصحاب النفوس المريضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد